- Advertisement -

أماني زيان تكتب الحلقة الثالثه من حلقات “يوميات بنت عايشة لوحدها”

تمر السنين وهى وحيدة في منزل طويل عريض، هجرها نوم الليل وأصبحت تغمض عينيها مع شروق الشمس، فاليل ساكن لا تسمع به إلا صوت تراقص غصون الأشجار التي كانت ترعبها خيالتها على جدران منزلها فتغلق شبابيك المنزل والستائر، تسمع خطوات الأقدام في الشارع وكأنها في صالة المنزل، فتنتفض خائفة وتخرج من غرفتها بحذر فلا تجد أحدا، تحتل الأوهام عقلها وتتخيل صوت فتح الشباك وكأن أحدا يقفز لداخل المنزل، يسقط قلبها في قدميها وتخرج للمطبخ مسرعة وتمسك سكينا كبيرا بحثا عن الحرامي، فتتخيله خلف الستائر فتقترب بخطوات مرتعشة وتفتح الستارة بحركة عصبية، فلا تجد شيئا .

ترجع لسريرها وفي يدها السكين عله يعطيها قدرا من الإطمئنان، وتحاول النوم فلا تستطع، فتفتح النور والتلفزيون وتظل ساهرة يجافيها النوم حتى ترى أشعة الشمس من فتحات الشيش بغرفتها فتغلق النور والتلفزيون وتستسلم للنوم أخيرا.

تعودت على ذلك حتى بات ضوء الشمس يلهب عينيها إذا اضطرتها الظروف للخروج صباحا، وأصبح ضجيج الشارع يوترها وأحاديث الناس بصوت عال أو خفيض، لقد تعودت على هدوء الليل وصمته، وأصبح طبعها من طبعه .

كانت تدعو أصدقائها لمنزلها ليؤنسوا ولو جزءا من وحدتها؛ فتجد واحدة منهم تخبرها بأنها لن تستطيع المجيء، لأن والدتها رفضت لأنها تعيش بمفردها!!

هي تعرفها جيدا وتعرف أخلاقها، ولكنها تخاف من حديث الناس، فتقول لإبنتها: “الناس هتقول رايحين تقعدوا مع بنت عايشة لوحدها وهيقولوا كلام احنا في غنى عنه”!!

ظلت فترة من الزمان لا تصدق أن الناس منتبهين لها ومشغولين بها لهذه الدرجة، فلابد أن كل أسرة في الشارع أو فرد لديه من المشاغل والمشاكل ما يغنيه عن الحديث عن فتاة لمجرد أنها تعيش بمفردها..

الى أن فوجئت في يوم من الأيام عند الكوافيرة المجاورة بجارة لم ترها من قبل ولا تسكن معها بنفس العمارة، تقول لها:

  • “انت مش عارفاني؟”
  • فردت بابتسامه نافية
  • فأكملت المرأة: “أنا جارتك في آخر الشارع، والله ببقى نفسي أعدي أسأل عليكي بس دايما بتبقي برة” ثم تضحك ضحكة عالية وأكملت: “مقدرش بقى أجيلك بعد نص الليل، “هو انت لسة ماتجوزتيش ليه؟”.
  • تبتسم الفتاة وترد بهدوء: “نصيب”.
  • “بس نصيحة من طنط، لازم تروحي تقعدي عند أختك ولا خالتك، القاعدة لوحدك دي غلط، ده انت تتلبسي يا حبيبتي”

وفجأة يصبح الحديث عاما تدخل فيه الكوافيرة والباقي زبونات المحل وهي جالسة وسطهن، تستمع لنصائح وانتقادات، لا ترد إلا بابتسامة مجاملة وعندما تشرب سيجارة، تجد النظرات لبعضهن البعض تغيرت وأعوجت شفاتهن  كأنهن في حالة شلل نصفي!!

تنتهي وتلقي التحية وتخرج وتتركهن، لا تعرف ما هو شعورها تماما، ولا تحاول أن تعرف، تركب سيارتها وتذهب لعملها.

في العمل  تقابل نماذج مختلفة من البشر، فهناك من يعيش في حاله ولا يتدخل فيما لا يعنيه وهم القلائل، وتقابل من يريد أن يعرف الصغيرة والكبيرة، الرجال بعضهم يظن -عندما يعلم بأنها تعيش بمفردها ولم تتزوج- أنها كنز يمشي على قدمين!!

فيبدأ بعرض صداقته غير البريئة، ظنا منه أنها متفتحة لهذه الدرجة بل وأكثر، فتبتعد بهدوء فيأبى أن يعتبر ذلك رفضا، فيزيد من عروضه وبجاحته في نفس الوقت، فيجبرها أن ترد بقوة وعنف، هنا ينقسم رد فعل الرجل لنوعين، نوع يأخذ موقف حاد ولا يتكلم معها، وإذا سأله أحدا عن الأسباب يقول بها ما قال مالك في الخمر، والجزء الثاني يعتبر رفضها إهانة لرجولته فيهين أنوثتها لدرجة اتهامها بالشذوذ!!

تسير في طريقها وعملها لا تدع هذه العقبات تعيقها عن هدفها وتقول لنفسها كما كانت تقول جدتها دائما: “سيب حبيبك على هواه لغاية ما ييجي ديله على قفاه”، وبالفعل الوقت يعالج الكثير من تلك الجروح ليعطي فرصة لجروح جديدة!!

أصبحت ترمي بكلام الناس عرض الحائط، لم تعد تحترم الكبير كما تربت، وأصبحت تعرف بيقين أن الكبير كبير بتصرفاته وليس بسنه!! تمشي ابتسامتها مرسومة على شفتيها، لتغطي الغصات التي تملأ قلبها وتنتظر أن تفتكر هذه المواقف … وتضحك عليها .