- Advertisement -

أماني زيان تكتب الحلقة الثانية من حلقات “يوميات بنت عايشة لوحدها”

إرتدت ملابسها كعادتها في توتر وعصبية لا تعرف أسبابهما ، لم تنظر في المرآة ، لقد تعودت على ذلك بعد مرور سنوات تعيش بمفردها ، أصبحت تتنازل عن جزء من أنوثتها بالتدريج عاما تلو الآخر ،  الى أن وصلت لهذه المرحلة من عدم الإكتراث .

 تنزل للشارع لتركب سيارتها فتجد العجلة الخلفية والأمامية على الأرض تماما ، لا تدري ماذا تفعل فالرجل الذي كان دائما يساعدها ” عم سيد ” إكراما لأمها وأبيها قد وافته المنية منذ شهور ، بكت عليه كما بكت على والداها ..

 فقد كان الوحيد الذي يهتم بها ويطرق بابها يوميا ليسألها عن احتياجاتها ، كان اذا وجد أي مشكلة بالسيارة يذهب هو ليصلحها ، رغم أنها لم تكن تمانع لتذهب بنفسها للميكانيكي ، لكنه كان دائما يقول لها ” هيشتغلوكي لو شافوكي رايحة لوحدك ” .

كما أنه كثيرا ما كان يمنعها من صف سيارتها بهذا المكان بالذات ، لأن أصحاب البيت على حد قوله ” ما يعرفوش ربنا رغم الزبيبة اللي مغطية خلقتهم ” كان يقول لها أنهم سيصفوا سياراتهم خلفها ليعطلوها حتى لا تقف امام عمارتهم مرة أخرى .

لكن من الواضح أن ” عم سيد” كان طيب القلب لم يتخيل أن تصل جرأتهم لإفساد  عجل السيارة بهذه الطريقة ، لكن جرأتهم جاءت من أن صاحبتها ” بنت ” ، مجرد بنت تعيش بمفردها ، زاد تأكيد هذا الإحساس عندما نزل الشاب ابن صاحب البيت لها ورمقها بنظرة تشفي قائلا لها ” ماتركنيش هنا تاني عشان دي عمارتنا ” فردت عليه بإنفعال ” ده مش شارعكم ،من حق أي حد يركن في أي مكان ” ، فرد عليها ” لو ركنتي هنا تاني هكسرهالك مش هخرم العجل بس “!!

هنا وجدت بداخلها احساس بغضب يجتاح أوصالها ، بدأت تتحدث بصوت مرتعش ، محاولة السيطرة على دموعها ” انت ماتقدرش تعمل حاجة ، وهركن هنا كل يوم ، ولو راجل قرب من عربيتي ” وتركته وسارت مسرعة ، تمسح دموعها المنهمرة من عيناها ، تحدث نفسها كالعادة ” اجمدي ، لازم تجمدي ، بكرة هتفتكري الموقف دة وتضحكي عليه ” هكذا كانت والدتها دائما تنصحها ، تكرر هذه الجملة بداخلها حتى تتحقق وتضحك على الموقف .

 لملمت قلبها وهدأت وذهبت لرجل يصلح الكاوتش، طلبت منه ارسال أي شخص معها لإصلاح عجل السيارة  ، وبالفعل أرسل  معها طفل لا يتعدى الاثنى عشر عاما ، وفك العجل وعاد به قائلا لها وهو يضعه في السيارة ، أن الأسطى يريد خمسون جنيها وأن العجل كان سليما، و” الخوابير” وضعها منظر فقط  ليأخذ منها مبلغا من المال ، ضحكت وربتت على كتف الطفل التي لم تلوثه الأيام بعد وغمزت بعينيها له ” ولا يهمك ، خلي ربنا هو اللي يحاسبه ” وأعطت له المبلغ كاملا .

ركبت سيارتها  وطارت بها ، فهذا الشي الوحيد الذي يخفف عنها ، أن تركب سيارتها وتجري بها وكأنها تسابق كل من حولها ، ربما تتسابق مع أيامها ، حياتها نفسها ، تشعر براحة عندما تخترق الشوارع بسيارتها وسط الزحام وتتخطى السيارات الأخرى بسهولة وكأنها عقباتها ومشاكلها ، لا تعبأ بإشارت بعض الرجال لها بأن تبطئ السرعة!!  أو بآخرين مما يأخذوا على عاتقهم إحباطها فكيف لفتاة أن تقود بهذه الطريقة ؟، ماذا تظن نفسها ؟ !!

فتجد شاب أو رجل يجري بسيارته بجانبها محاولا  أن يسبقها و أحيانا حتى  ليجعلها تصتدم في الرصيف أو تقع من كبري ، هكذا يؤدبها ،لأنها  تحاول مساواة نفسها بالرجال .. لكنها تنتصر .. نعم في القيادة هي تعلم أنها الأفضل وتتمنى لو يتحداها يوميا العشرات لتجعلهم يشعرون بالعار ، فهي تعرف كم تصل تفاهة الرجل الشرقي وكم يؤثر به أن فتاهة انتصرت عليه وسبقته !! .

 تنهي ما وراءها وما خرجت من منزلها له لتذهب في نهاية اليوم لتخرج بعض الوقت مع صديقاتها ، يجلسن ويتحدثن كل واحدة عن مشكلتها ، فتجد مشكلاتهن بعيدة عن مشاكلها ، هل لا تنتمي اليهن ، أم أن تغير حياتها عنهم جعل اهتمامتها مختلفة ، هي لا تذهب للكوافير فبالتالي لا تكون مشكلتها ” خناقة على لون الصبغة ” ، وليس لديها أب وأم ليتعاركوا معها على موعد العودة للمنزل .. تمنت لو كانت تعاني من تلك المشكلة الآن ، بعد ماظلت سنوات تحلم بالاستقلال بحياتها ظنا منها أنها في مجتمع طبيعي ، لا يضطهد بل يحتقر المرأة ..

تترك صديقاتها وتعود بسيارتها للبيت ، الساعة تعدت الثانية عشر ، وتبحث كالعادة على مكان لتصف به سيارتها فتذهب لتتحدى الشاب الذي تعاركت معه في الصباح لتجده قد وضع اسياخ حديدية داخل الارض وسلسلة ليجبرها على عدم الركنة أمام العمارة !!

تجد مكان بعيدا عن عمارتها فتضعها به وتدعو الله أن تصحو من النوم لتجدها سليمة ، تترك السيارة وتمشي للعمارة يظهر بواب عمارة مجاورة ، ينظر لها نظرة غريبة ، فتلقي عليه التحية ” مساء الخير ” فيرد متهكما ” قصدك صباح الخير يا دكتورة ” !!!

تتركه وتدخل البيت ، تدخل غرفتها تنظر في المرآة .. وتبكي بدون أي سبب .