- Advertisement -

أنا أفتي إذن أنا موجود” كتبه محمد عبد الخالق”

ليس له مبرر آخر أكثر منطقية، هي رغبة في التواجد والظهور ولفت الانتباه، الحديث في أي شيء وكل شيء، ليس من قبيل تداول معلومات أو مناقشتها، بل الظهور بدور العالم ببواطن الأمور.

إنه “الفتاي” … المالك الوحيد للحقيقة، الذي لا يسمع سوى صوته ولا يرى سوى وجهة نظره، مؤمن أنه من العيب الشديد أن يصمت أثناء أي حديث، يرى انه من العيب والإهانة ألا يشارك في تناول أي قضية أيا كان موضوعها، يمتلك قدرا عجيبا من الثقة التي ليس لها أي سند أو مبرر منطقي…

عزيزي “الفتاي” … ابحث عن نفسك في هذا المقال، فمن المؤكد أنك ستسعد ببعضه، رغم أنك ستغضب بشدة من بعضه الآخر.

أما ما سيسعدك، فيكفي أن تعلم أن في أيامنا المباركة تلك –التي اختلط فيه الحابل بالنابل- هناك العديد من الفرص التي ستتمكن فيها من تبوء مكانة محترمة، وينظر إليك بعض الناس (في الحقيقة هم كثيرون) باعتبارك العلّامة المتميز، الذي يعرف ما لا يعرفون، ويفهم فيما لا يفهمون، ويمكن أن يصل الأمر إلى اعتقادهم أيضا أنك ترى ما لا يرون.

لا تقلق مطلقا، فالظاهرة الجديدة المتنامية بشكل مخيف، والتي تعكس مدى ما وصلنا له من تردٍ، أن هناك توجها للاحتفاء بمعدومي الموهبة وفقراء العقول، وإذا كان مساواة “مَنْ يعلم” بـ”مَنْ لا يعلم” كان يتم وصفه قديما بالظلم، فقد تطور الأمر الآن، وتجاوز هذه المرحلة، أصبح “مَنْ لا يعلم” يوضع في المقدمة رسميا، دون ذرة خجل.

فقد أصبح لديك مصادر متنوعة من الأخبار والمعلومات التي ما أنزل الله بها من سلطان، نصفها تأليف والنصف الآخر كذب مقصود، وما عليك سوى نظرة سريعة على “التايم لاين” في هاتفك والانطلاق مخبرا محللا مؤكدا … وبطبيعتنا كمجمع “شبه متعلم” نميل لتصديق الأشياء مهما تجاوزت المنطق، وفاحت منها رائحة الكذب، مالوش لزوم التفكير والتعب ووجع الدماغ… ناس طيبين قوي يا خال.

وبالتأكيد لست بحاجة إلى تذكيرك بوصفة النجاح المضمونة، على قدر تصديقك لنفسك أثناء الكذب (الفتي) سيصدقك الناس، ولا تنسى بدء أي حوار بالتوجه إلى محدثك بنبرة قوية قالا: “أصل انت مش عارف القصة” أو “اللي انت ما تعرفهوش …” ثم اكمل حديثك بصوت عال، مع رسم ابتسامة ثقة أو سخرية “مش هتفرق كتير”.

والآن عزيزي “الفتاي” استعد لقراءة ما سيغضبك أو غادر المقال فورا واتركه لمن عافاه الله مما ابتلاك به.

فهذا الشخص (عافاكم الله) عبارة عن كائن استطال لسانه عن المألوف، يسمع بنصف أذن ويفكر بربع عقل، يبحث عن قيمة غير موجودة، وكما يزاحمم البعض الجموع بأكتافهم، يزاحم هذا الكائن الجموع بلسانة.

ثرثار بشكل يصيب بالغثيان، يرفض المناقشة، ويغضب لو خالفه أحد في الرأي ويعتبرها إهانة شخصية، مغرور متقلب المزاج يغضب سريعا من أي معارضة، طبعا يجب أن يكون هكذا، كوسيلة للدفاع وتكنيك استباقي لجعلك تعيد التفكير ألف مرة قبل الإقدام على معارضته أو مخالفة رأيه أو التهور ومواجهته بحقيقة جهله.

إياك إياك أن تتجاهله أو تدخل معه في حوار، نعم كن كالماء … اشعره أنك مهتم بما يقول، وقتها فقط يشعر بإشباع لرغبته في التواجد، ووقتها فقط يمكنه الانسحاب تاركا لك المجال للتنفس، أعتقد لن يتبقى لديك رغبة بعدها في قول شيء.