أنا وهستيريا الكورونا – احنا بنبني تحت البحر

كانت صديقتي تعاني في بداية زواجها من وعكة نفسية نتيجة شدة الخلافات و الاختلافات التي ظهرت بعد الزواج بينها و بين زوجها ، مما دفعها للاستعانة بطبيب نفسي انذاك .. و بينما كانت تقص علي تجربتها الشخصية مع الطب النفسي حكت لي تفاصيل احدي الجلسات مع طبيبها و كيف ان كل كلمة كان يقولها لها كان لها معني مهم و مؤثر و ذات مغز .. حدثتني صديقتي ان مشكلتها في تلك الجلسة كانت تتلخص في شعورها انها مهما فعلت من جهد مع زوجها فهي لاتري اي تغيير في سلوكه و انها مهما نوعت من اسلوبها بين شد و جذب و دلع وولع و حكي و رغي او حتي تقمصت شخصية الام او الابنة ..مهما فعلت لا تجد اي تقدير او تغيير في طريقته معها التي علي حد قولها تغلق اي باب ممكن ان ترى منه شعاع نور إو بصيص امل للنجاة بهذا الزواج.. ذكرت لي صديقتي انها بينما هي تحكي للطبيب عن هذه المشكلة و كيف انها اخذت تكثر و تبدع و تنتقي المواقف التي توضح له مدي المجهود الجبار الذي تبذله .. اذ به يفاجئها بسؤال اعتبرته سؤالا احمقا و خارج السياق .. لقد فاجأها قائلا ( حضرتك متزوجة بقالك اد ايه؟) اندهشت صديقتي كثيرا حيث كانت تتوقع منه ان يتفاجأ من ذلك الزوج الجبار الذي لا يؤثر فيه شئ او ان يتعجب لصبرها او جهدها الذي تبذله .. او علي اسوء تقدير ان يقترح عليها طريقة اخري لم تفكر فيها من قبل تغير سلوك زوجها اللي غلبت معاه ..تغلبت علي ذهولها و امتعاضها و اجابته ( تزوجنا منذ سنة يا دكتور) عندها رد عليها الطبيب بصوت هادئ واثق من نفسه قائلا : ( يا عزيزتي.. في العلاقات الطويلة المدى مثل الزواج.. عادة بيكون عندنا صبر كصبر مقاول يبني تحت البحر.. ) قالت لي صديقتي بالطبع لم افهم اي شئ مما قاله و لم افهم هل كان يسمعني ولا كان سرحان و لا ايه؟ و قبل ان تنطق بكلمة أكمل الطبيب كلامه ( اللي بيبني مبني بيعمل له اساس تحت الارض ممكن ياخد الي سنة مثلا حتي يظهر المبني علي وجه الارض ، و قد نتابع البناء لاننا نراه يوميا ، اما عندما نبني تحت البحر فنحن لا نرى البناء و لانري عمق الاساس و يكون البناء اصعب .. و قد يستغرق مددا اطول و دون ان نستطيع ان نرى اي نتيجة .. البناء تحت البحر يشبه كثيرا بناء العلاقات الزوجية .. يجب ان نبذل جهدا كثيرا لنستشعر النتيجة و كإننا نبني تحت البحر)! عندها فهمت صديقتي مغز كلام الطبيب و أدركت انه يعني كل كلمة يقولها و أنه يريد ان يوجه انتباهها الي نقطة لم تراها من قبل.

اكيد عزيزي القارئ أنك تتساءل الان ما علاقة القصة التي قصصتها عليكم بـ الكورونا؟ وهو دة وقته نحكي قصص من دي دلوقتي؟

الحقيقة انني تذكرت هذه القصة عندما بدأت أتابع كم الجهد الذي تبذله الدولة المصرية لتوعية الناس بطريقة الحماية من كورونا و لماذا يجب ان نجلس في البيت ؟ لماذا يجب ان لا نتزاور و لا نتلاقي و ان نتباعد..وان الموضوع مش موضوع كلور و لاغرفرة بميه و ملح و لا موضوع معلقة عسل بحبة البركة علي الريق ..

ارى العديد من ابناء الشعب المصري ، و لا أتحدث عن البسطاء ، بل جميع طبقات الشعب حتي قاطني الكمبوندات و ذوي التعليم العالي و العالي جدا ، اغلبهم عجينة واحدة ،أغلبهم لا يصدق انه يمكن ان ينقل الكورونا الي الاخرين ، لا يصدق انه يمكن ان يكون ناقلا للفيروس أغلبهم يتحايل علي الحظر كما يتحايل الطلبة علي مدرس المدرسة او كأن الحكومة تقصد شعبا اخرا بكل تلك التوعية التي تبثها في كل مكان و زمان !!

عندها تذكرت كلمة الطبيب النفسي ( الدولة بتبني تحت البحر) و يا عالم هنشوف نتيجة امتي ، و لا بالشكل دة هنشوف نتيجة اصلا و لا لا !

الدولة و برامج التوك شو و الاعلاميين و الاطباء و رجال الجيش و الشرطة .. جميعا هنا لا ينفكون يشرحون كل ما يمكن و يبذلون كل جهد ممكن لتوعية الناس بكل الطرق الممكنة من برامج و اغاني و خطب و لقاءات تلفيزيونية و اذاعية و ممثلين كوميديين و غير كوميديين ، الشعبيين منهم و الراقيين كلهم ابدعوا لتوعية الناس واقناعهم بالجلوس في البيت .. و لكن .. هيهات هيهات !

الشعب مصر مقتنع جدا انه ( عنده مناعة لانه أخذ حقنة الدرن ايام الطفولة، و من عربية الفول اللي كلها جراثيم لابد انها اشد من مية كورونا ، و لان معدتنا بتهصم الزلط) فكيد هنهضم كورونا و ابو كورونا.. للاسف الناس يعتقدون ان الكلور وحده كافي للقضاء علي كورونا و كإننا بنرش مبيد حشري علي صرصور يمشي في البيت.. يرشون الكلور ثم يتزاورون..

ييتبادلون رسائل الواتس اب المحذرة من اعراض الكورونا ثم يركبون الاتوبيس و يتجمعون في المنازل لصلاة الجمعة .

منذ عدة ايام رأيت بأم عيني عندنا مررت باحد محال الفاكهة و الخضار الصغار في التجمع الخامس ، الذي يضع خارج ابوابه اقفاص الخضار و في داخله تترصص الاقفاص يمينا و يسارا حتي تترك ممرا ضيقا يكفي شخصا واحدا فقط للسير بينهما لانتقاء الثمار.. رأيت المحل مكتظا بالبكوات و الهوانم يشترون الفاكهاة و ينتقون منها الافضل ، لا ماسكات و لا قفازات ،، اصابني الذهول، فوقفت اشاهد من بعد .. و كادت تصيبني كريزة هيسترية كورونيه عندما رأيت سيدة فاضلة شيك في منتصف العمر تخرج هي و زوجها من زحام المحل ، و تحمل بين يديها حبة حرنكش ، تقشرها و تأكلها ! اقسم بالله هذا منظر حقيقي غير خيالي !! لقد كنت أحدث نفسي و أنا اتابعها داخل المحل ،،لم تلبس الكمامة .. ربما لم تجد في الصيدلية، لا ترتدي قفازا ؛ ربما ستطهر يديها بمعقم عندما تخرج من المحل ، قلبت في الفاكهة و الخضار حبة حبة و كأنها تبحث عن فيروس كورونا في وسطهم ، يمكنتبحث عن الافضل بحكم العادة و مندمجة ، لكنها أبهرتني عندما رأيتها تتناول حبة فاكهة من الفاكهة المليئة بفيروسات كثيرة غير الكورونا و تضعها في فمها باستمتاع ! عندها تذكرت عبارة الطبيب النفسي ، و تأكدت ان الدولة بتبني تحت مستوي كل البحار و الأنهار و ان كورونا ستقضي علينا علي غفلة!