- Advertisement -

إذا كنت تقول على الطعمية ” Green Burger ” لا تقرأ هذا المقال

 

ربما منذ ثلاثين عاما أو يزيد كان الطفل الذي يحفظ كلمتين إنجليزي محل فخر وتقدير وتباهي و”فشخرة” أبويه، لا يفوّتان مناسبة أمام قريب أو بعيد إلا ويطالبانه باستعراض الكلمتين دليلا على تفرده واختلافه، وسط نظرات إعجاب وغبطة من المحبين، وحسد وغل مختفي وراء ابتسامة صفراء من غيرهم.

منذ ما يقرب من ثلاثين عاما أيضا، ومع التحولات الاجتماعية “المريبة”، التي صاحبت التحولات الاقتصادية “التي تشبهها”، اختار البعض -بعد تضخم محفظته- الانفصال عن باقي المجتمع، سواء في السكن أو التعليم أو حتى في النزهة، باحثا عن تميز لم يستطع تحقيقه بأية وسيلة أخرى، وهنا كانت البداية التي أوصلتنا للكوميديا التي نعيشها الآن.

بداية عزيزي القارئ، لا تستبق الحديث وتترك ذهنك يذهب لبعيد وتفهم مقدمتي بشكل خاطئ، أرجوك لا تستسلم لسوء الفهم والترصد والتصيد أثناء قراءتك المقال، حتى لو كانت الصفات السابقة –وأعلم أنها كذلك للأسف- الأسهل والأسرع والأكثر انتشارا هذه الأيام على كل الأصعدة.

الرسالة الأهم في هذا المقال أن تمسك بثقافتك وتميز بها، لا تكن مثل “النسكافيه” سريع الذوبان والتحلل في أول وسط خارجي تقابله، تعلم وانفتح واكتسب خبرات جديدة، لكن في النهاية  ستظل جذورك مصدر قوتك، اسأل نفسك سؤال واحد: هل رأيت من قبل ابن أية حضارة مهما تعلم وطاف وشاف وسافر ترك لغته وراح يردد كلمات من لغة أخرى كالببغاء غيرنا؟

عندما تتحدث إلى شخص أجنبي لا يعرف العربية لا بأس أن تقول له: عليك ارتداء flip flop  لأنه لن يفهم إذا قلت له: ارتدي  “شبشب البحر”، لكن ماذا فعلت لك “الملوخية” حتى تجردها من هويتها وتسميها Green soup؟! وأنت تتحدث عن مع صديقك المصري؟

ما النجاح الذي ستحققه ويضاف لسيرتك الذاتية من تسمية التسلخات Sun kisses، أو قنديل البحر jelly fish ، أو بطن المرأة الحامل baby bump؟

ماذا ستستفيد عندما تهدر كرامة الفيشار وتناديه بـpop corn ، أو تتخلى عن جمال ودلع لفظ “غزل البنات” لصالحcotton candy ، وكيف ستتمكن من أكل “الحرنكش”  وانت تقول عليهgolden berry ، وهل ستشعر بطعم الفول والطعمية الحريف بعدما جعلتهماoriental breakfast ، وكيف ستضع شريحة الباذنجان المخلل أو “قرن الفلفل” الحامي على الطعمية بعدما أصبحتGreen Burger ؟!

لست أعاني من مشاكل نفسية أو أحقاد طبقية، ولست ضد تعلم اللغات، ولست ضد البحث عن الهدوء والتميز بأية طريقة تناسبك، الموضوع ببساطة وبوضوح أنني أرى –ولست وحدي- ألا نستخدم تلك اللغة التي نتعلمها لتفيدنا، في تدمير وتشويه ثقافتنا، فمرحلة التباهي والمنظرة بالكلمتين الإنجليزي انتهت من زمان، وأصبح المتميز هو ذلك المتعلم المنفتح علىى ثقافات العالم، الذي نجح في الوقت عينه في الحفاظ على هويته وثقافته، فما بالك بثقافة الخاصة.

أما سبب حديثي في هذا الموضوع الآن، فيرجع إلى ما انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرا من منشورات، تم تداولها في إطار من السخرية تحت عنوان “قاموس الساحل” … الساحل الشمالي بمصر، الذي ضم عدة تعبيرات وأسماء إنجليزية يستخدمها أبناء هذه الثقافة الهجين المشوهة، التي لا تنتمي ولا تعبر بشكل حقيقي عن أي من جناحيها (العربي – الأجنبي)، ويعيشون متطفلين على هامش ثقافتين دون الانتماء لأي منهما.