ابحثوا عن الحبل السري الخفي

منذ أن أصبحت أما و أنا أؤمن أن الحبل السري الذي يربط الأم بطفلها طوال فترة الحمل ،لا يتم قطعه كله   أثناء عملية الولادة ، إنما يبقي جزء آخر خفي ، لا يراه الأطباء و لا يعلمون عنه شيئا و قد يكون  لا يرى بالعين المجردة.  يبقي هذا الجزء مدى الحياة ليربط الأم بوليدها، فتشعر بكل ما يشعر به في  كل لحظات حياته ،  وإن طالت المسافات بينهما . تشعر به إن تألم أو سعد، إن جاع أو شبع، إن نجح أو فشل

و يظل الإبن كذلك مرتبطا بهذا الرباط أو الحبل الخفي بأمه مهما كبر أو شاخ ، مهما تغرب أو ابتعد، فلا يكتمل طعم السعادة  في فمه إلا برضا أمه عنه و لا تقر عيناه إلا إذا سعدت ، فتجد الابن يبكي  ، مهما كبر، لمجرد أن يلمح دموع أمه تلمع في عينيها، و يستشعر أحلي لحظة في الحياة عندما يري إبتسامة أمه تلوح علي وجهها، و يشعر بأنه قد طال عنان السماء  و قمة الفخر عندما تفخر به أمه في موقف ما

لا يمكن أن يكون الحبل السري طوال التسعة أشهر ، في حياة الأم التي قد يطول  بها العمر، و في حياة الابن الذي لا يتذكر شيئا عن طفولته المبكرة هذه  ، هي السبب وراء هذا الرباط القوي بينهما. لا أصدق أن الحبل السري قد انقطع فعلا  بعملية ولادة يقوم بها طبيب مختص بحسب كتب درسها في كلية الطب

و إلا ففسر لي لماذا تسيل الدموع من عينيك، بل من قلبك ، لمجرد أن تري أمك تتألم، مع أنك لا تشعر بأي ألم ! لماذا تذرف الأم الدموع في كل المواقف مع أبنائها: إذا فرحوا  أو إذا  تألموا ، إذا اقتربوا يقبلوها أو إذا ابتعدوا عنها، إذا نجحوا في حياتهم أو إذا فشلوا، إذا سافروا و إذا عادوا، إذا مرضوا وإذا من الله عليهم بالشفاء . إن الأم لا تشعر  بتعاطف مع أبنائها اذا تألموا، بل تشعر بذات الألم الذي يشعر به الابن إن لم يكن أقوي، و بفرحة أعمق من فرحة الابن نفسه. إنها لا تتأثر بمشاعره، بل تشعر  بنفس الشعور في نفس اللحظة بنفس القوة أو  أكثر.  و قد يغفل الابن أو يتهور مؤذيا نفسه فتتألم الأم قبل أن يتألم الابن و قد تضحي بنفسها لتفيقه من غفلته أو تهوره  ، وهو غافل لم يتألم بعد  !

لا اجد أي تفسير علمي لهذه السلوكيات من الطرفين،  فالعلماء  يدعون أن لكل إنسان جهاز عصبي منفصل يتلقي تعليماته من المخ بالألم أو بالفرحة فيتفاعل تلقائيا؟  لكن  العلاقة بين الأم و أبنائها لا ينطبق عليها أي قانون من قوانين تعامل البشر مع بعضهم . إنها علاقة جسد واحد منذ الحمل و حتي الممات ، جسد لم ينفصل، يشعر بنفس العذاب و نفس الألم ونفس الفرحة  . لا أستطيع أن أقول أن أحدهما يشعر بشعور مماثل للآخر في نفس اللحظة، بل أجزم أن هناك حبل سري ، تيار كهربي يبقي متصل بينهما ، يوصل نفس الأحاسيس في نفس اللحظة . قد يتعرض هذا التيار للتشويش في فترات بحث الابن عن ذاته و لكنه لا ينقطع و لا يقف ابدا

لقد ميز الله الانسان  بقدرته علي النسيان و التقلب و التغير.  و هذا القانون لا ينطبق  علي علاقة الأم بأبنائها، فلا أحد ينسي أمه و لا أم تنسي أبنائها و لا تتغير قلوبهم و لا تتقلب مشاعرهم تجاه بعضهم

خلق الله بداخلنا القدرة علي النسيان لننسي مثلا لحظات الألم أو التعاسة بمرور الأيام، لكن  لا يستطيع أي ابن أن ينسي الألم الذي قد يسببه تفضيل أم لأحد أبنائها علي الآخر أو أنها مثلا فرطت فيه دون داع ، لا ينسي الأبناء ما حيوا هذا الألم ، كما لا تنس الأمهات ما حيت ألم عقوق الأبناء و جحودهم ،آلا إذا رجعوا عنه، فهل هذا تحد لطبيعة البشر؟

خلق الله الانسان يحب نفسه اكثر من اي شئ و لا يفرط في حياته بل يخاف عليها و يحميها بكل مايملك  ، لكننا نسمع عن قصص كثيرة بذلت فيها الأمهات حياتها من أجل إسعاد أبنائهم ، و قصص أبناء حملوا أمهاتهم فوق أكتافهم ليسعوا بهم في الحج مثلا.  أو باعوا أجزاءا من أجسادهم من أجل الحصول علي الدواء لأمهاتهم ..

كل هذا  و غيره الكثير من الشواهد الحقيقية ، يؤكد  لي و لكم ان  العلاقة بين الأم و الإبن اقوي بكثير من  علاقة وجدت بسبب الحبل السري  المقطوع  او بسبب فترة التسعة أشهر  ، علاقة  لا اتوهمها، تجعل منهما  في رأيي شخصا واحدا يملك نفس الجهاز الحسي و العصبي ، الذي يبقي تواصله موجودا بينهما طول العمر، و يشعر أحدهما بضمور   في هذا الجهاز اذا مات الطرف الاخر.

لهذا أدعو  العلماء و الأطباء  أن يبحثوا عن  الحبل السري الخفي و  يقروه في أبحاثهم ، لأنه موجود بالفعل و بالدليل القاطع  ، و لا أعرف كيف تجاهلوه؟ أدعوهم أن يعودوا لمعاملهم و أبحاثهم ليخرجوا لنا بالحقيقة الكاملة. بل و  يعلنوها للعالم  أجمع ، حقيقة أن الام و الابن هما مخلوق واحد بروح واحدة  ،  تظل تنمو وتترعرع في داخلهما  للأبد و بلا نهاية.