- Advertisement -

ادخل برجلك اليمين” كتبه محمد عبد الخالق”

لم تعرف دراسات “الاثنولوجيا” أحدا اهتم بالتنجيم وقراءة المستقبل اهتمام العرب، فإذا كان التفاؤل التشاؤم “التَطَيُّر”، من الأمور التي تشترك فيها كل الشعوب تقريبا، حتى لو اختلفت الرموز، فإن العرب كان لهم من قديم الأزل –وأظن حتى الآن- قصب السبق، لدرجة أوقفت حياتهم على هذه المعتقدات.

“التشاؤم” في اللغة هو: توقع حدوث الشر …

صور التشاؤم عند العرب قديما عديدة، منها على سبيل المثال: الغراب إذا صاح صيحة واحدة فقط، أو مرور الظباء، أو رؤية الصبي ذاهبا إلى المعلم، أو رؤية الجمل وعلى ظهره حمل، ظهور البومة وصوتها … وغيرها من الأمور.

وسمى التشاؤم عند العرب أيضا “التَطَيُّر”، لأن الروايات التي حملتها لنا كتب التاريخ والسّير، ذكرت أن العربي في الجاهلية كان إذا هم بفعل أمر ما، قصد عش طائر فأطلقه في الهواء، فإذا طار إلى جهة اليمين يسمى (السانح)، وفهذا فأل حسن ويتم الأعرابي ما يريد فعله، ومنها جاء تعبير: “إذا سنحت الظروف سأفعل كذا وكذا”.

أما إذا اختار الطائر أن يذهب جهة اليسار، فإن هذا يعني التراجع فورا عما كان يريد أن يفعله، ويعتبر طيران الطائر لليسار تحذيرا من سوء نتيجة ما يراد فعله، ويسمى الطائر في هذه الحالة (البارح)… وسؤال المنجمون كان واجبا قبل اتخاذ أي قرار مهم في حياتهم (تجارة – سفر – حرب – زواج …).

في الحقيقة رغم تحريم الإسلام للتطير، ونهيه عن هذه الأمور، وذكر اللفظ في أكثر من آية في معرض الحديث عن الأقوام الهالكة (فرعون موسى – قوم صالح – أصحاب القرية)، بالإضافة إلى أحاديث الرسول الكريم التي تنهى عن التشاؤم والتطير، لدرجة أن الإسلام جعل تصديق هذه الأمور من أبواب الشرك بالله، فإنه من الواضح أن هذه العادة قاومت ولم تختف وظلت لها مكانها وقوتها، وهو ما تؤكده قصة الخليفة العباسي “المعتصم” أثناء الإعداد لفتح “عمورية” الروم.

تروي القصة أن المنجمين حذروا “المعتصم” قبل خروجه لهذه المعركة، مؤكدين أن الحملة ستفشل إن خرجت في هذا التوقيت، إذن كان المنجمون قريبين من خليفة المسلمين، ولهم رأي في أخطر التحركات والقرارات، ومخالفة “المعتصمم” لرأيهم وخروجه للمعركة لا ينفي وجودهم أو دورهم، وقد خلَّد الشاعر “أبوتمام” هذه الواقعة في قصيدته الرائعة التي كذب فيها كتب المنجمين قائلا:

السَّيْفُ أَصْدَقُ أَنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ         فِي حَدهِ الحَدُّ بَيْنَ الجِد واللَّعِبِ

………………………..            ………………………………

وخَوَّفُوا الناسَ مِنْ دَهْيَاءَ مُظْلِمَةٍ     إذَا بَدَا الكَوْكَبُ الْغَرْبِيُّ ذُو الذَّنَبِ

وَصَيَّروا الأَبْرجَ العُلْيا مُرَتِّبَةً         مَا كَانَ مُنْقَلِباً أَوْ غيْرَ مُنْقَلِبِ

وهناك ثلاثة أنواع من تعامل الناس مع التشاؤم والتفاؤل وأقوال النجوم، ويمكنك أن تلحظ هذا جليا فيمن يتابعون أقوال النجوم والأبراج في الصحف والمجلات:

الأول: هناك من يؤمن ويصدق هذه الأقوال جدا، وتؤثر على نفسيته وقراراته.

الثاني: وهناك من يؤمن بها ويخشاها وتؤثر على نفسيته، لكنه لا يتراجع عن قراراته أو أفعاله حتى لو كان قلقا.

الثالث: لا يؤمنون بهذه الأقوال ولا يتشاءم أو يتفاءل، ولا يشغلهم الأمر لا نفسيا ولا فعليا.

وعلى صعيد الصحة العامة، فإنه من المعروف أن للحالة النفسية دورا كبيرا على الحالة الصحية، لكن الطريف هي هذه الحقائق التي كشفتها دراسة علمية أجرتها جامعة “دوك” بولاية نورث كارولاينا بالولايات المتحدة الأمريكية، عن تأثير التشاؤم والتفاؤل على صحة الإنسان، ونشرت نتائجها في دوريات طبية متخصصة، وحرصت على أن تضم عددا كبيرا من عينات الدراسة، وأن تكون على مدى زمني كبير، للتحقق من النتائج بأقصى قدر ممكن.

فماذا كانت هذه النتائج؟

  • انخفضت بشكل ملحوظ نسبة أخطار الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية لدى الأشخاص المتفائلون بنسبة 50% تقريبا.
  • انخفضت معدلات الإصابة بأمراض سرطانية بنسبة 40%.
  • ارتفعت نسب الاستشفاء من الأمراض أو من العمليات الجراحية بنسبة كبيرة.

أما أطرف ما توصلت له الدراسه فكان تأكيدها أن الأشخاص الأكثر تفاؤلا يصابوا بالأنفلونزا وبالرشح والتهابات القصبات الهوائية والجهاز التنفسي أكثر من المتشائمين، وتم تفسير هذه الظاهرة بأن المتفائلين أقل حرصا على اتخاذ الاحتياطات الوقائية في الأجواء الباردة، يفتحون صدورهم للحياة، عكس المتشائمين.