- Advertisement -

الرجالة ما بتعيطش كتبه محمد عبد الخالق

“ما فيش راجل بيعيط” … كم مرة سمعنا هذه الجملة في طفولتنا؟ كم مرة ترددت أمامنا لطفل يبكي؟ وكم مرة قلناها لأبنائنا؟

كذبة أخرى من أكاذيب مجتمعنا، وخطيئة من خطايا تربيتنا التي لا تُغتفر، الرجل لا يبكي جملة ليس لها معنى أو هدف أو نتيجة سوى أن “الرجل لا يشعر”، هي جريمة “ختان” لكن في حق مشاعر وأحاسيس الرجل …

هل يُنتقص البكاء من قيمة أوقوة أو هيبة أو القدرة على مواجهة الصعاب، أو يَنتقص من أي من الصفات التي تظنون أنها ترفع من شان الرجل في النفوس؟

متى وكيف كان التعبير عن المشاعر عيبا؟! فالبكاء فطرة وطبيعة إنسانية، زرعها الله تعالى بداخلنا، وفسيولوجيا خلق لها غددا في العينين لسريان الدموع، انسدادها مرض يؤذي العين ويهدد البصر.

لنبحث إذن عن إجابة هذا السؤال في السطور التالية متلمسين أولا الوحي الذي نزل من السماء قرآنا، وأنطق به الله تعالى نبيه حديثا:

البكاء في القرآن الكريم:

ورد لفظ البكاء عدة مرات في القرآن الكريم، جاءت كلها في سياق يعلي من قيمة وقدر الباكي ويوضح مدى رهافة حسه وصفاء قلبه وتأثره.

  • “وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا” (109) – (الإسراء).
  • “وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ” (83) – (المائدة).
  • “وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ” (92) – (التوبة)
  • “أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ” (60) – (النجم).

البكاء في السنة النبوية المطهرة: ألا تعلمون أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كثيرا ما فاضت عيناه بالدمع سواء في مواقف الحزن (عند موت ابنه إبراهيم)، أو الخوف والخشية على أمته فقد بكي صلى الله عليه وسلم على أسرى (بدر)، أو خشوعا عند تلاوته القرآن، هذا عن سنته الفعلية.

أما سنته القولية (الأحاديث) فسنجد فيها بابا كاملا في فضل البكاء من خشية الله، ولعل أشهر الأحاديث النبوية التي ذكرت البكاء حديث (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله….) وكان أحد هؤلاء السبعة رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه”، رواه أبوهريرة رضي الله عنه وأخرجه البخاري في صحيحه.

“الفاروق” كان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حسب رواة السيرة، وهو عمر وما أدراكم ما عمر، لس بحاجة إلى الحديث عن قوته سواء البدنية أو النفسية والشخصية، كان يبكي حتى خطت الدموع خطين في خديه من خشية الله.

“البكاؤون السبعة” وهم: (علبة بن زيد – سالم بن عمير – هرمي بن عمرو – أبو ليلى المازني – سلمة بن صخر – عمرو بن عنمة – العرباض بن سارية)، الذين لم يجدوا ما  يحملهم في معركة “تبوك”، وذهبوا للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فاعتذر لهم لعدم وجود ما يحملهم عليه، فبكوا بين يدي الرسول، وانصرفوا من عنده وأعينهم تفيض من الدمع، حزناً على عدم مشاركتهم في الجهاد، فسماهم المسلمون: البكاؤون.

الزهاد البكائون: جماعات من الذهاد المتصوفين ظهرت في العصر العباسي، اعتذلت كل مباهج الحياة ونعيمها وترفها، كرد فعل للهو والإغراق في الملذات الذي شاع في هذه الفترة، كانوا يقضون يومهم بالكامل في جلسات بكاء ونحيب جماعات وأفراد.

أنواع البكاء: كما حفلت كتب التراث العربي والإسلامي بالكثير عن البكاء لدرجة رصد ابن القيم في كتابه “زاد المعاد” لعشرة أنواع من البكاء: بكاء الخوف والخشية، وبكاء الرحمة والرقة، وبكاء المحبة والشوق، وبكاء الفرح والسرور، وبكاء الجزع من ورود الألم وعدم احتماله، وبكاء الحزن، وبكاء الخور والضعف، وبكاء النفاق، والبكاء المستعار كبكاء النائحة بالأجرة، وبكاء الموافقة أن يرى الرجل الناس يبكون لأمر عليهم فيبكي معهم.

الخلط بين الأمور جهل وفشل، والظن بأن البكاء ضعف لا يليق بالرجل كارثة، الرجل إنسان مثلما المرأة إنسان، ميز الله بين شكليهما لكنه لم يميز بين روحيهما.

أتفّهم أن هناك مواقفا تتطلب من الإنسان أن يؤجل دموعه –قدر المستطاع- وهذا لا ينطبق على الرجل وحده، فكم من نساء واجهن مواقف شديدة الصعوبة ببأس شديد، وكم من سيدات مررن بظروف قاسية أو رحل عائلهن تاركهن مع أطفال في مواجهة الحياة، فرأينا قوة جبارة تسيطر على الأمور، وتقوم بتربية الأبناء وتقاتل بشراسة للحصول على حقوقهم، الأمر ليس له علاقة نهائيا برجل أو سيدة.

عندما تنهون الرجل عن البكاء، ثم تتغزلون في دموع المرأة وتعتبرونها أقوي أسلحتها قائلين: “المرأة التى تبكى دون خجل هى امرأة وصلت إلى قمه النضج النفسى والذهنى” … فأنتم –دون أدنى أسف- شخصيات كاذبة.