تقليد الآخرين دون وعي ظاهرة بيولوجية طبيعية لا تدعو للانزعاج !

لماذا نميل إلى تقليد الآخرين دون أن نلاحظ؟

إن ميل الإنسان إلى تقليد الآخرين ليس من قبيل الصدفة كما يؤكد العلماء. في السطور التالية نعرفك كل ما تريد معرفته عن ميل الإنسان لتقليد المحيطين به لا شعوريًا وبخاصة من يحبهم .
هل لاحظت من قبل أنك عندما تخالط شخصًا لفترة زمنية طويلة، تبدأ تتكلم بنفس طريقته وتتصرف مثله.
فهذا ما يحدث إذا أقمت في إحدى المدن التي يتحدث سكانها بطريقة مميزة أو بلهجة معينة، فهذا ما يحدث معك لا شعوريًا. أو عندما تصادق أحد الأشخاص الذي يتميز بطريقة معينة في الحديث أو السلوك، فبعد فترة من الوقت تصبح نسخة منه دون قصد منك وهذا هو المثير في الأمر.

يتعمد الإنسان العادي تقليد الآخرين فيحاكي كل تصرفاتهم وكأنه ينظر في مرآة

تفسير إضافي للظاهرة:

وفقًا للدكتور جاريد أوجارو مور البروفيسور الأمريكي المعروف، فإن هذا التقليد الذي يتم دون وعي أو قصد يوصف بأنه تقليد تلقائي لكل اللفتات والسلوكيات وتعبيرات الوجه وطريقة الحديث الخاصة بالآخرين. والمدهش في الأمر أن الدخول في تجربة التقليد التلقائي للآخرين يكشف الكثير عن شخصية الإنسان. ونتساءل لماذا نفعل ذلك؟ وكيف أن الإنسان يمكن أن يقلد من حوله دون أن يدرك ذلك أو يقصده. الإجابة تؤكدها لنا النظريات العلمية.

تقليد الآخرين هو أفضل أشكال التودد

لنقل مثلًا أن صديقك المقرب بدأ يقول كلمة “تمامًا” في كل كلمة تقريبًا. وبطبيعة الحال، أنتما -كصديقين- تمضيان الكثير من الوقت سويًا؛ تتحدثان وتستمعان لبعضكما البعض فضلًا عن النصائح المتبادلة.

الإنسان عندما يسلط تركيزه على الأشخاص المحيطين به، يكون أكثر اهتمامًا بهم ويشعر برغبة في أن يكون محبوبًا منهم

بعد فترة وجيزة من الوقت، يشير أحد أفراد الأسرة أنك بدأت تكرر كلمة “تمامًا” كثيرًا. ما حدث هو أنك تحاول تقليد صديقك دون وعي. يقول دكتور أوجارو مور أن الإنسان عندما يسلط تركيزه على الأشخاص المحيطين به، يكون أكثر اهتمامًا بهم ويشعر بدرجة من الاعتمادية عليهم ويحمل في طياته رغبة في أن يكون محبوبًا منهم. هذه العوامل تقود الأفراد إلى تقليد الآخرين أكثر وأكثر. في هذه الحالة، يكون الاهتمام الزائد والعميق بصديقك المقرب جعلك تسجل -دون وعي- كل عاداته في الحديث وتقلد استخدامه لكلمة “تمامًا” التي تعتبر لازمة معروفة عنه. أضف إلى ذلك، فقد أظهرت الأبحاث العلمية أن التقليد أو المحاكاة تُفسر بأنها رغبتنا في زيادة ارتباطنا بالمحيطين بنا. هذا معناه أن تكرار كلمة “تمامًا” يعكس رغبتك الداخلية في أن تكون قريبًا ووثيق الصلة بصديقك المذكور.

يضيف أوجارو مور أن هناك أيضًا احتمال أنك تقلد أحدهم نظرًا لأنك تتطلع إليه بإعجاب. ويشرح البروفيسور رأيه قائلًا أن الإنسان قد يقلد من يُكن لهم حبًا ويشعر بتأثيرهم عليه – أي لهم درجة من التأثير الاجتماعي ويمتلكون مهارة أو فن الإقناع. قد يكون هذا الشخص رئيسك في العمل أو زميلك في المكتب أو الجامعة أو صديق أو شخصية عامة. وقد يكون أي شخص آخر ذو خبرة يُعتقد أن له قدرات أو مهارات خاصة. إذا شعرت بالثقة أو القوة عند رؤية زميلك الناجح الذي تحبه وتعتز به يجلس بوضعية جلوس معينة، فالفرص متهيئة دون وعي منك لأن تقلده.

يميل الشباب إلى تقليد المشاهير والفنانين في كافة التقاليع والموضات وأشهرها التاتو

والسبب البيولوجي هو:

أنها طبيعة بشرية أن نكون محبوبين من كل المحيطين بنا، أو أن نكون محل إعجاب الآخرين وتقديرهم، كل هذه تفسيرات اجتماعية للتقليد اللاوعي. ولكن هناك أيضًا سبب بيولوجي يجعلنا نتجه لتقليد الآخرين دون أن ندرك ذلك. ترى بعض الدراسات أن البشر لديهم نظام عصبي يشبه المرآة ويسمى خلايا عصبية مرآتيه Mirror neurons ، وهو ما يسمح للأشخاص بالتعلم من خلال تقليد الآخرين. هذه الخلايا العصبية في المخ تعمل وتنشط عندما نلاحظ تصرفات الآخرين. تخيل المكونات الدقيقة في المخ وهي تنير وتنتبه وتمارس تصرفات الآخرين دون أن تفعلها في الواقع. هذه الخلايا تجعل من الممكن لطفل صغير أن يشاهد ببساطة أحد والديه وهو يربط الحذاء، ثم يعيد تكرار المشهد دون تعليمات محددة. تسمح تلك الخلايا للإنسان بأن يلتقط اللغة والآلات الموسيقية، وغير ذلك من الحركات فقط من مجرد الملاحظة لما يحدث حولنا.

بعض الدراسات تفيد بأن البشر لديهم نظام عصبي يشبه المرآة ويسمى خلايا عصبية مرآتيه Mirror neurons

وفقا لعلم النفس تسمى هذه الظاهرة التعاطف الاجتماعي social empathy حيث مجرد أن تتثاءب المدرسة بالفصل، يبدأ الطلاب بالتثاوب أيضًا وبلا وعي. تبين لنا هذه الظاهرة أيضًا كيف أننا نحاول تغيير لهجتنا في الحديث، أو صوتنا بناء على من نتوجه إليه بالحديث. وهذا التعاطف يدفعنا ويلهمنا دون وعي لتقليد الآخرين ونسخ تصرفاتهم.
خلاصة القول أنه من الطبيعي جدًا أن تلاحظ أنك قد تغيرت بلا وعي منك، لتكون مثل أصدقائك أو أفراد أسرتك المقربين أو قدوتك الخاصة. إذا كنت فخورًا بنفسك لأنك متفرد ونسيج وحدك فلا تقلق. وتأكد أن محاكاتك للآخرين ولأسلوبهم لن يفقدك صفاتك الخاصة وسماتك الوراثية التي تميزك عمن حولك.

Source reader's digest