- Advertisement -

“جهنم لاند”

بقلم : دينا أبو الوفا

لاحظت الأم خلال الأيام الماضية ، تغيراً واضحاً فى مزاج ابنتها وملامح وجهها التى غلبها الشرود و الاكتئاب حتى انها لم تعد تسمع لها صوتاً داخل المنزل وبين جنباته….
فتساءلت نفسها ، أين ابنتى الضحوكة البشوشة التى ملأت دعاباتها وصوت ضحكاتها وغنائها و رقصها ارجاء المنزل …. ماذا حدث لها !!! لما بدت امامى كالوردة الذابلة وصارت كمن يحمل على أكتافه الكرة الارضيّة بأكملها
وكأى ام لم تستطع ان تقف بين صفوف المتفرجين… لم تستطع ان تدير ظهرها لما ترى ابنتها عليه من مؤشرات مقلقة….
فدخلت عليها غرفتها ، و دون مقدمات سألتها “مالك!؟! “
أجابت الابنه “مفيش حاجه” ، رد توقعته الام منها لانها تعرفها حق المعرفة و تتفهم شخصيتها ، فهى بطبعها قلما تشكو ، قلما تبوح …
فألحت عليها بالسؤال مرة اخرى بصوت اكثر اصراراً والحاحاً ” مالك “
ولَم تصمد الابنة طويلاً ، فاستهلت الرد بالدموع قبل الكلام … دموع ظلت تتساقط تباعاً على وجهها دون توقف ثم نطقت اخيراً ” المذاكرة مش عارفه اذاكر …. الحاجات كتير و المواد كتير و المطلوب كتير … وانا بحاول والله … مش لاحقه اعمل كل حاجه … مش هنجح .. مش هعرف ” وانهارت …..
و فى تلك اللحظة ، رأت الام نفسها أمامها ، وهى فى مثل عمرها منذ أعوام وأعوام طويلة
تلك الفتاة الجادة الصارمة الملتزمة المسئولة ، التى تسعى الى الكمال و فى سعيها هذا تستهلك من أعصابها و راحة بالها و صحتها …..
وكان اول رد فعل لكلمات الابنة، ان غضبت منها ووبختها بعنف شديد حتى ان دموعها التى ازدادت تدفقاً قاطعتها فتداركت سريعاً انها تتبع الوسيلة الأسوأ على الإطلاق فى احتوائها
فعدلت عنها وصمتت للحظات بحثاً عن الأسلوب البديل …..
فاخفضت من نبرة صوتها التى عّم عليها التفهم والتقدير و امتزجت بقدر كبير من الحنان والحب واستطردت
” عارفه انك بتفكرينى بنفسى وانا صغيرة ، كنت زيك كده جد اوى وحامية و بتشد و بخاف وبقلق وبحلم بالنجاح والتفوق….
بصى يا حبيبتى ، انا سعيدة جداً انك واخده الحياة جد الجد و مش عايشه فى ال “لا لا لاند” … لان الزمن ده مش عايز اللى يعيش فى ال ” لا لا لاند ” بالعكس عايز اللى يجتهد ويجرى و يتعب ويتقدم ويصحصح ويطور نفسه دايماً ، زمن مش عايز اللى يفضّل عايش فى “منطقة الراحة” اللى بيسموها “كومفورت زون” بالعكس الزمن ده عايز اللى يقبل التحدى و التغيير و لو مجوش لحد عنده يخلقهم لنفسه ويخوض التجربة بقلب جامد”
بس خدى بالك ده مش معناه انك برضه تعيشى فى ” جهنم لاند ” و تحطى نفسك باستمرار تحت ضغط وقلق وخوف و تهلكى نفسك وتستهلكيها….. لا ده صح ولا ده صح
أوعى تعملى من نفسك شمعة مولعة طول الوقت ، هتتحرقى بسرعة و تخلصى قوام
نوريها شوية واطفيها شوية
أوعى تعملى زى اللى بيجرى فى سبق ، فضل يجرى فى الاول لحد ما اتقطع نفسه فى نص السباق و قبل خط النهاية تعب و أنسحب
اجرى بالراحة ، متوقفيش … بس اجرى بذكاء من غير ما تضيعى مجهودك على الفاضى …
أوعى تعملى زى اللى فضل يسقى زرعة كل يوم فوق طاقتها واحتياجها لحد ما ماتت منه !!! ازرعى صح و اروى صح ، تحصدى صح
خير الأمور عند الله الوسط حبيبتى … الاعتدال هو انسب شىء … هو المفتاح هو السر !!!
واللى بيسعى ربنا بيقف معاه ، و بيتكتب له النجاح دايما يمكن كمان فوق ما كان يتمنى ..
وابعد ما كان يتصور
وعشان كده اهم حاجه يفضّل جواكى يقين ان ربنا معاكى و جنبك ” ان الله لا يضيع اجر من أحسن عملا”
وما ان انتهت الام حتى وجدت ابنتها وقد ابتسمت وعانقتها قائلة ” انا هديت خلاص …. بحبك يا مامى ” وعادت لتذاكر بهدوء

دينا ابو الوفا