حلم ليلى

كان التكييف في الغرفة شديد البرودة، علي عكس  المشاعر  الدافئة التي تملأ قلوب الحاضرين. كانت مفاجئة لها أن تجد القاعة مكتظة عن آخرها بالحضور. لم تكن تعلم أن كل هذا العدد مهتم بحضور ورشة عمل مثل هذه.

جلست في مكانها على استحياء بعد أن جاءت متأخرة، و جلست في المقعد الوحيد الخالي. أخذت تتأمل الحضور؛كانوا رجالا ونساءً تتراوح أعمارهم بين العشرين و الخامسة و الأربعين من مختلف البيئات و  الثقافات.

الهدوء يعم المكان، الجميع ينظر في أوراق فارغة أمامه محاولا أن يسطر بضعة سطور، يبدو أن المدرب قد طلبها منهم. ارتبكت .. تود أن تسأل الشخص الجالس بجوارها ، لكنها لا تريد أن تقطع الصمت المحيط. التفت إليها المدرب أخيرا و سألها:

– هل استلمتي ملفا  من إدارة المركز؟ هزت رأسها بالنفي ، ناولها المدرب ملفا أخضرا به ورقا و قلما وطلب منها أن تكتب ما يجول بخاطرها تجاه (فنجان قهوة ) صورته معروضة علي البروجكتور أمام الجميع في القاعة.

راقتها الفكرة حاولت كتابة بعض السطور . قطع المدرب الصمت ثانية معلنا نهاية الوقت المخصص لهذا التدريب و طلب من الحضور واحدا تلو الآخر أن يقرأ علي الجميع ما كتب ، و طلب من الحضور أن يناقشوه و ينقدوه. و هكذا مضى الوقت في ورشة العمل.

شعرت باستمتاع غريب. هو نفس الإستماع الذي ينتابها عندما تحضر مثل هذه المحاضرات أو ورش العمل ذات  المضامين الأدبية.

غادرت المكان وهي تفكر في الحضور؛ أول ما تراءى أمام عينيها هي هذه السيدة  السمراء التي تجلس على الطرف المقابل  من الطاولة ، لا تتحدث إلا باللغة العربية الفصحي، بلا خجل، بل بكل ثقة . ثقة تشعر الحاضرين بأنها كاتبة مشهورة و هي ليست كذلك.

وهذا  الشاب الجالس علي المقعد المجاور  ، ذو عينين كحيلتين، يبدو عليه الملل و الضجر، يلهو بقلم في يده و لم يسطر سطرا واحدا في الورق الذي أمامه . و في الجهة الأخرى شابين  في الثلاثينيات من العمر، يتمتعان بموهبة عالية  في الكتابة، تظهر ثقافتهم العالية في مناقشاتهم مع الأديب المدرب الذي يناهز الخمسين من العمر. و في الطرف إلى جوارهم يجلس شاب أسمر، يبتسم بإستمرار، عكست ابتسامته و نقاشاته طيبة زائدة وفي نفس الوقت تعلو عينيه نظرة مترددة دائما.

انتهي اليوم الأول من ورشة العمل وعادت ليلى إلى المنزل و كلها حماس لقراءة المزيد من الكتب ، و انبهار بأسلوب كتابة بعض الحضور، و تراودها نزعة قوية للكتابة و تساؤل لا يفارقها” هل يمكن أن أصبح كاتبة رواية مشهورة  يوما ما؟ هل يمكنني أن أصبر عام أو أكثر علي كتابة رواية  ” ! أرتعدت أوصالها لمجرد تخيلها لفشل الفكرة الذي قد يحبطها تماما و أيضا من نجاح الفكرة الذي لا تجرأ على تخيله.

في اليوم التالي داومت علي حضور التدريب،كانت سعيدة بانشغالها في شىء تحبه علي الرغم من عودتها كل يوم منهكة القوى من شدة التعب ، ففي الصباح تذهب لعملها ،  ثم منه علي التدريب حتى المساء.

أختارت بنفسها و لنفسها هذا التعب اللذيذ  ! فقد أرادت أن تصل لحلم جديد، أن تصيب هدفا جديدا و تواجه تحديا جديدا.

عادت الوساوس تراودها ؛ “كيف يمكن أن أصبح كاتبة رواية مشهورة؟ ”

لقد تناولت  مجموعة التدريب  عدة مواضيع هامة مثل الحبكة الدرامية!  فخلق حبكة درامية هو أمر شديد الصعوبة، من أين لها أن تختلق حبكة كبيرة لرواية و بداخلها حبكات أو عقد صغيرة لجذب القارئ ! لا لا هذا شىء يغاير طبيعتها..أطلت من النافذة، و شخص بصرها لبعيد، أن حياة ليلى لم تكن أبدا حياة معقدة و لم يكن لديها الأم و عذابات كغيرها من البنات، كانت تحيا غالبا حياة الرخاء و الدلال   كل ما في الدنيا يأتي في متناول  يديها، حتي قبل أن تطلبه، بل ربما تؤرقها أحيانا هذه الرفاهية ، فتقلق أن يكون هذا هدوء يسبق العاصفة، و أن العاصفة قادمة. لكن عواصف ليلى كانت عادة ريحا ليست بالعاتية لكنها كالتي تمر بأغلب الناس، و كان يسكن قلبها بالتالي شكر و عرفان عظيمين لرب العالمين.

انتبهت ليلى علي صوت زملائها في التدريب يدخلون القاعة ثانية بعد فترة الإستراحة، فاعتدلت في جلستها و انتبهت لتتعلم كيف ترسم شخصيات الرواية و كيف لا يفلت منها أي منهم..

عادت ليلي لبيتها، أمسكت بأول رواية وقعت في يدها، إنها رواية ، كانت قد بدأت في قراءتها منذ فترة و لكنها انشغلت و نست أمرها تماما حتى أعتقد ت أنها لم تقرأها أبدا.

فتحت الصفحات الأولى للرواية، لكنها أكتشفت أنها كانت قد قطعت شوطا كبيرا بها ، ربما النصف، فبسرعة ذهبت إلى علامة خفية في الكتاب كانت قد تركتها لتكمل القراءة ، وحاولت أن تشحذ انتباهها كله  لتطبق ما تعلمت اليوم، و لكنها استغرقت في القراءة حتي اندمجت تماما في الأحداث و نست أن تقارن بين ما تعلمت و ما أتبعه الكاتب في هذه الرواية.

كانت تقف كل عدة صفحات و تفكر؛ كيف يمكن أن ينتقل الكاتب بهذه الخفة و المنطقية بين الأحداث و الشخصيات ، كيف يتقمص تارة دور الراوي ثم يعود و يتلبس دور أحد الشخصيات بسلاسة شديدة، هل كل هذه الأحداث من وحي خيال الكاتب، أم أنها مرت به شخصيا !

هاهو آخر يوم في التدريب؛ ذهبت ليلى و رأسها ملئ بالتساؤلات التي كادت تحبطها و تثنيها عن هدفها، على غير العادة. جلست في كرسيها المعتاد، و .
ندمجت في النقاش مع زملائها حول نقد بعض ما كتبه الآخرون. انتهت الدورة و استلمت شهادة استكمال الدورة ، و  لا تزال تفكر، كيف لي أن أنسج رواية من خيالي بشخصيات و أحداث متنوعة في مئة صفحة علي الأقل! لقد نصحها المدرب بأن تبدأ بكتابة قصص قصيرة أولا، و لو كانت قصة للأطفال! أعجبت بالجزء الأول من رأيه، ربما تبدأ فعلا في كتابة قصة قصيرة ، ولكن ليست للأطفال، ستكتب ليلى عن تجربتها في ورشة العمل هذه، ستجرب أن تنقل الأحداث الحقيقية و المشاعر المختلطة بداخلها و الأفكار و التساؤلات كلها في قالب واحد

فهل يا تري نجحت ليلى في كتابة  القصة؟ !!!