- Advertisement -

زواج الأقارب … “ع الأصل دوّر” و”ع الأمراض” أيضا كتبه محمد عبد الخالق

“العرق يمد لسابع جد” … كانت الجدات يستخدمن قديما هذه الكلمات لإيصال رسالة مفادها أن الأصل الكريم والأخلاق الرفيعة تتوارث جيلا بعد جيل، حتى الجيل السابع وربما أكثر، وأن البحث عن الأصل والماضي أفضل طريقة للحكم على الحاضر، ومثل أشياء كثيرة عشنا زمنا طويلا على جانبها الإيجابي فقط، جاء اليوم الذي نرى جانبا آخر لهذه الكلمات.

طبيعة منطقتنا العربية العربية الثقافية والبيئية كانت سببا في تصدرها قائمة أكثر مناطق العالم التي ينتشر فيها زواج الأقارب، وهو أمر طبيعي في مجتمعات تعود معظمها لجذور بدوية قبلية، لا يتزوجون من خارج القبيلة والعشيرة، لدرجة تفضيل بقاء البنت دون زواج نهائي على أن تتزوج من خارج القبيلة، حفاظا على المال والماء والأرض، وحرصا على العرق والدم وعدم ذوبانهما في جماعات أخرى.

ولاتزال هذه العادة موجودة بقوة حتى الآن في دول عديدة، خاصة بين الأجناس والأعراق التي تخشى على نفسها من الذوبان في الأعراق الأخرى، فتتمسك بالزواج فيما بينهم فقط حفاظا على النوع، مثل أهل النوبة في مصر، والأمازيغ الذين ينتشرون في عدة مناطق بالصحراء الكبرى مثلا.

مرت الأيام والسنين وتغيرت القبيلة إلى مجتمعات كبيرة حديثة تأخذ بأسباب الحضارة والتكنولوجيا والعلم الحديث، لكنها لا تزال تتشبث بعادات وتقاليد الماضي، ومنها زواج الأقارب وتفضيله كثيرا على الزواج من خارج العائلة أو القبيلة، نعم بدأت هذه العادة في الاختفاء تدريجيا، لكنها حتى الآن تتواجد بنسبة كبيرة، تتعارض مع ما يتم تأكيدة من ضررها الكبير.

الإحصائيات تظهر أن نسبة زواج الأقارب في الدول العربية لاتزال مرتفعة، رغم حملات التوعية التي توضح مخاطر هذا الزواج، وسجلت نسبته في المملكة الأردنية الهاشمية 32% من نسبة الزيجات وهى أعلى نسبة بين الدول العربية، وتأتي خلفها السعودية بفاررق بسيط وبنسبة 31%، ثم العراق في المرتبة الثالثة بنسبة 29%، ثم الإمارات بنسبة 26%، والبحرين بنسبة 21%، وأخيرا مصر بنسبة 11%.

إذا كان البعض يرى في زواج الأقارب أمانا وثقة، بسبب المعرفة المسبقة لجذور وأصول وتربية الطرف الآخر، فإن هذه الميزة تبدو غير ذات أهمية جوار ما كشفه العلم عن أخطار ومشاكل زواج الأقارب على الأبناء، خاصة إذا كانت السلسلة ممتدة لأكثر من جيل.

فالأمراض الوراثية المتنحية تنتقل للأبناء بشرط أن يكون الوالدان يحملان المرض، ومن الممكن جدا أن يكون الزوج والزوجة يحملان مرضا متنحيا دون ظهور أية أعراض أو مشاكل صحية عليهما، شرط وجود المرض عند الزوجين يتحقق بنسبة عالية في زواج الأقارب، نظرا لتوارثهما نسبة كبيرة من الجينات المتشابهة التي تعود لأصل واحد، وهو ما يجعلنا نؤكد على ضرورة إجراء تحليلات قبل الزواج.

إذا هذا الزواج مؤهل بقوة لظهور العديد من الأمراض الوراثية بنسب عالية، حيث يتوقع إحصائيا أن يصاب طفل واحد من كل 25 طفلا بمرض وراثي ناتج عن خلل في الجينات، أو بمرض له عوامل وراثية خلال أول 25 عاما عمره، ويتوقع أن يصاب طفل واحد من كل 33 حالة ولادة بعيب خلقي، كما يتوقع أن تصاب نفس النسبة بمشكلات تأخر عقلي وتأخر في المهارات، وتسعه من هؤلاء المصابون بهذه الأمراض يتوفون مبكرا، أو يولدون بمشاكل صحية تتطلب خضوعهم للعلاج لفترات طويلة.

انشروا هذه الحقائق والأرقام، وابحثوا ورائها واقرأوا عنها أكثر، تحدثوا مع وأبنائكم وأسركم ومعارفكم عن هذه القضية، ربما يأتي يوم ويختفي المثل الشعبي: “آخد ابن عمي واتغطى بكمي” من تراثنا، آخذا معه عددا من الأطفال المرضى الذين لا ذنب لهم في الحياة سوى أنهم أبناء ثقافة ترفض العلم وتتحداه.