عمر طاهر يكتب لمجلة حرة: “الأب”

مكالمة مهمة جعلتنى أتحرك فى البيت ذهابا وإيابا حتى انتهت وأنا أقف فى “البلكونة”، وقفت أسترجع ما دار فيها، لمحت سيارة أحد الجيران تتوقف ثم ينزل منها جارى ويغادرها حاملا أكياس البقالة، بعد دقائق قليلة توقفت سيارة أخرى لجار آخر نزل منها أيضا وهو يحمل أكياس مشابهة، بعد قليل توقفت سيارة ثالثة ونزل منها جار آخر لكنه لم يحمل شيئا، دخل إلى العمارة وغاب ثم خرج ومعه ابنه الطفل يرتدى ملابس تمرين كرة القدم، كان الابن يحتضن الكرة بينما الجار يحمل حقيبة الابن الملونة، استقلا السيارة ثم انصرفا.

ثلاثة آباء مروا أسفل شرفتى، كان كل واحد محملا بمسئولية ما، يقول إحسان عبد القدوس: “الرجل هو البيت، ولكن البيت ليس الرجل”، وهى جملة منصفة تماما.

إذا وقف الأب بطوله فى الصحراء فستجد فى هذه النقطة بيتا، القرب يكفى ويبتلع العراء.

 يهتف الطفل مدفوعا بالفطرة “بابا جه”، ولا يهتف أبدا “ماما جت”، ربما يقول لها عند حضورها ما هو أهم، لكن “بابا جه” تخرج معباة بطمأنينة ما بغض النظر عن كون الطفل عندما يكبر قليلا ويبحث عن راحته فى البيت يسأل خفية “هو بابا مش نازل النهاردة؟”، لكن يظل وجوده فى الدائرة طوق نجاة، وجوده فى حد ذاته هو النجاة، يقول سيجموند فرويد: “عند التفكير فى حاجات الطفولة لن يجد الواحد حاجة بقوة الحاجة إلى حماية الأب”، ويقول الشاعر الفرنسى فريدريك نوفاليس: “لا يوجد مكان فى العالم يستطيع الإنسان أن ينام فيه بأمان مثل غرفة أبيه”.

الأمومة غريزة، لكن الأبوة، لا أعرف، أفتش عن كلمة تصف الرحلة الصعبة، تتغير أشياء كثيرة فى الرجل ما إن يصبح أبا، أبسطها أنه يقيم كل شىء ويحسبه من خلال أولاده.

 قد يتنازل عن حقوق له هنا أو هنا قبل الزواج، بحثا عن راحة الدماغ، لكنه وهو على قيد الأبوة لا يتنازل عن شىء، يُسقط نفسه ويعتبر أية حقوق هى لأولاده، هو أيضا قبل الزواج لا يتنازل عن أفكار وطريقة عمل وجهات نظر حتى لو كلفه الأمر أن “يقعد فى البيت”، لكنه بعد الزواج يتنازل قليلا ويهذب انفعالاته متفاديا أن يكون سببا فى أذى ما قد يطول حياة أبنائه.

يتعلم الرجل الأبوة بالوقت.

 يراقب كل شىء.

 يبدأ من الصفر طائرا مغردا يدور حوله نفسه، ونفسه هى عالمه، مشغولا بتشكيل مستقبله وسعادته، ثم يتحول بالأبوة باحثا عن مستقبل وسعادة آخرين، بما يعنى أن يصبح رجلا حكيما ومكافحا وميسور الحال وطبيبا وبودى جارد وحائط مبكى ومفسر أحلام ومنظم حفلات وحلال مشاكل وملاحا على الطريق، ومريضا إذا فكرت الابنة أن تلعب (دكتور)، وموديل إذا أحبت أن تجرب الرسم، وتلميذا مطيعا فى الفصل إذا أرادت أن تلعب (مدرسة)، وإنسانا آليا يلملم أحزانه بضغطة زر متفرغا لأحزان الآخرين، وذواقة يعلم غيره فنون الطعام و”يستطعم” اللقمة الحلوة على أفواههم، ورقيبا يتابع ما يطالعونه تليفزيونيا أو سينمائيا، وباحث يفتش عن إجابات للأسئلة الصعبة (هو ربنا بيشتغل إيه؟)، وأمين شرطة يتمم كل ليلة أن كل واحد فى فراشه و(الترباس مقفول) وفيشة السخان منزوعة، ومحاسب صاحب خبرة فى الودائع والفوائد والقروض والاقساط، ثم ناسكا يتعبد فى محراب الزوجة التى لولاها لفسد كل شىء.

وجدتها ..

الأمومة غريزة، والأبوة مشروع.

 يعرف الأب جيدا أن الجميع يقيمه هو شخصيا بنجاح هذا المشروع أو فشله، ولخاطر هذه الفكرة يمشى على حبل طول الوقت.

 يقول أومبرتو إيكو: “أؤمن تماما أن ما أصبحنا عليه يعتمد على ما تعلمناه من الأب فى اللحظات التى لم يكن يحاول فيها أن يعلمنا شيئا”، ويقول المثل الإنجليزى: “كما يكون الأب … يكون الأب”.

 يردد البعض مقولة: (الشخص الوحيد الذى يريد الرجل أن يكون أفضل منه هو ابنه) كمثل يعبر عن التضحية والتفانى، لكنى أؤمن أن الرجل يرى فى محاولة أن يجعل ابنه أفضل منه فرصة لإصلاح كل ما ارتكبه من أخطاء أثناء الرحلة، يريده أن يصبح أفضل منه على سبيل الاعتذار.

يقدم الأب أشياء كثيرة آخرها التمويل المادى، وفى مقدمتها التمويل النفسى، يخاف الأب وهو يتعامل مع طفله مما قد يؤذيه نفسيا فى طفولته، لكنه يخاف بشكل أكبر مما قد يؤذيه مستقبلا، يعرف جيدا أن جزءا كبيرا من قوام مستقبل الابن ما تركه الأب من تفاصيل تدعو للفخر أو التوارى خجلا، وينشغل أن يشب الأبن معاف نفسيا ويكمل هكذا، يقول جيم فالفانو: “قدم لى الأب أعظم ما يمكن تقديمه لأى شخص … فقد آمن بى”، ويقول فيناس ويليامز: “قاتل أبى معى … لقد كان حلمى هو حلمه شخصيا”، هذا الدعم هو حركة الأب مع ابنه فى كل ميدان يقود إلى المستقبل من المدرسة إلى التمرين، خُلقت المرأة أم، لكن الرجل يجاهد ليصبح أبا، ويقول بوب جون: “من السهل على الأب أن يحصل على أطفال، لكن من الصعب على الأطفال أن يحصلون على أب”.

ينسحب الأب بالوقت من ملاعب “الشقاوة”، ويعرف جيدا أن ابنه ليس جزءا منه ولكن العكس، فقد أصبح هو جزءا من ابنه، يكافح ليصبح الجزء المفضل، تحقيقا للمقولة الشعبية: “قبل ما يشوفوه … قالوا كويس زى أبوه”.

وصلوا جيرانى محملين بأكياس ظاهرها البقالة وباطنها المسئولية، أكاد أسمع “بابا جه”، كنت أجرى مكالمة للاتفاق على عمل، لم أكن يوما من المدققين فى موضوع الأجر طالما هناك فرصة لتقديم ما أحبه، هذه المرة كنت أتفاوض قدر استطاعتى ليقترب المبلغ من مبلغ قسط مدرسة ابنتى، ووجدت فى مشهد الجيران تسلية عظيمة لى.

الأب أيضا تسلية، الضحك الذى يقدمه لأبنائه لا يشبه الضحك الذى يقدمه أى شخص آخر، والأغنية الشعبية الحزينة التى يغنيها حكيم أكثر جزء مبهج وراقص فيها هو الذى يقول فيه “بابا يا بابا يا بابا”، والأغنية الوحيدة عن الأب فى تراثنا الموسيقى كانت تشع مرحا بعكس معظم الأغنيات التى قُدمت عن الأم، كانت سعاد حسنى ترقص على أنغام كمال الطويل وهى تردد كلمات صلاح جاهين: “وكلامك ده حلقة فى ودنى … مين يقدر عنه يحوّدنى … يا اللى أنت مزاجك تسعدنى … لك حبى وفؤادى”.

لينك أغنية سعاد حسنى:

https://www.youtube.com/watch?v=WGfppfagUFM