عمر طاهر يكتب لمجلة حرة: “حكمة المأذون”

قال له صديقى: يا لها من مهنة صعبة يتوقف عليها مصير أمم بأكملها، فقال له المأذون: أنت تعطى المهنة أكبر من حجمها، ما نحن إلا مجرد أسباب ظاهرية تقود لمصير محتوم، سيدنا الخضر قتل الصبى الصغير، لأنه يوما ما كان سيُهلك أبويه الصالحين فهذا أذى نهايته رحمة، سيدنا الخضر أيضا خرق السفينة حتى لا يأخذها غصبا الملك الظالم من أصحابها الفقراء، فهذا أذى لو كان تراجع عنه سيدنا الخضر وترك السفينة فى سلام لكان الأمر سلاما آخره أذى.

يندم الواحد على الطلاق وينهى جلسته بخناقة مين اللى هيحاسب المأذون، وغالبا من فرط الغضب المعشش على القعدة لا يحاسبنى أحد، ولكنك فى الوقت نفسه لا تعرف أن أذى الطلاق ربما كان رحمة على بعد خطوات، أيضا يندم الواحد على عزوبيته بعد فترة من الزواج ويظل يسب للمأذون الذى كلبشه بأصغر كلبش فى العالم (الدبلة) وهو لا يعلم أن ما يبدو قيدًا هو تحرير له من غباوات مستقبلية لا بد أن تنضح بها العزوبية، كلما طال بها الزمن.

 قال صديقى: معك حق أنا شخصيا أصحو كل يوم الصبح أسب للزواج، لكن على آخر اليوم باكون بقيت كويس.

 ثم سأله: هل تستطيع أن تستشرف مستقبل الزيجة التى تعقد قرانها أم أنك تتعامل مع الأمور كموظف فقط؟ قال له المأذون: المستقبل بيد الله، لكن الواحد يستطيع أن يميز بين أنواع الزيجات.

 قال له صديقى: إزاى يعنى؟

 فقال المأذون: هناك زواج الحب: قصة حب تنشأ وتتطور داخل حدود العمل أو الأسرة أو العمارة أو النادى، يتغير طعم الحياة.

 ولأن الإنسان يمتلئ قلبه بالطمع.. يقرر الاحتفاظ بهذا الطعم إلى الأبد، بناء على فهمه الخاطئ لجملة (قصة الحب لا بد أن تنتهى بالزواج)، يكتشف بعد فترة أن لهيب الحب قائم على الحرمان، كلما كانت هناك مسافة بينك وبين من تحب تأجج لهيب المشاعر، وهذا هو سر خلود الشعر العربى القديم، كان العاشق يعوض افتقاده لحبيبته نتيجة قانون القبيلة الذى يحرم عليهما اللقاء بأن يكتب قصائد مطولة تخلد قصص الحب، وبعد أن انتهى قانون القبيلة وأصبح اللقاء متاحا طوال اليوم، ولو عبر فيس بوك على أقل تقدير.. فقد الحب بريقه وأصبح عمر قصص الحب أقصر من عمر كروت الشحن، وأصبحت القصائد الناجحة مقررة فى مناهج التعليم، ثم أصبحت كلمات أغنيات تتوعد فيها المرأة الرجل، أو يقلل فيها الرجل من قيمة المرأة، ولهذا النوع من الزواج حكمة.

 قال صديقى: أعرفها طبعا.. حكمة تقول الحب حاجة والزواج حاجة تانية خالص.

 قال المأذون: الله يفتح عليك، وهناك زواج الصالونات، الصيغة التى أقرها المجتمع العربى وراهن على نجاحها وكسب رهانه فى كثير من البيوت، وخسره فى بيوت أخرى لأسباب تتراوح بين الفروق الشخصية الهائلة أو الخيانة أو ارتباكات فى العلاقة الحميمية. الفرق بين زواج الصالونات والزواج عن الحب، أن الأول به استسلام للقدر ولإرادة الله بعد تحكيم العقل، والثانى به إلغاء للعقل أحيانا، يتبعه تمرد على القدر.. وهذا الزواج أيضا له حكمة.

 قال صديقى: حكمة زواج الصالونات معروفة طبعا.. جوزك على ما تعوِّديه والراجل ما يعيبوش إلا جيبه.

 قال المأذون: تمام، هناك زواج عشوائى: هو أحد أنواع زواج الصالونات التى لا يتم تحكيم العقل فيها، يتم الزواج بمبدأ (ضِل راجل ولا ضِل حيطة) أو مبدأ (والله أنا شفت بنتكم وهىَّ نازلة من التاكسى وعجبتنى)، أو (أبوك كبر وبقى وحدانى ومحتاج واحدة تليِّف له ضهره). هناك تلهف على الزواج يلغى مسألة فحص ملفات الطرف الآخر الشخصية والعائلية والمادية والمهنية، زواج لمجرد الزواج، الفرحة به لا تتجاوز حدود ليلة الفرح نفسها.. وهذا الزواج له حكمة.

 قال صديقى: أعرفها فهى حكمة مشتقة من نكتة تقول: ذهب رجل وزوجته إلى المأذون (ويا ترى إيه سبب الطلاق؟!) فأجاب الاثنان فى نفَس واحد (الجواز).

 قال المأذون: عفارم عليك، وهناك زواج انفعالى: زواج قائم على المجاملة أحيانا (رجل وشقيقه فى لحظة صلة رحم عاطفية يقرران أن خلاص الولد هياخد بنت عمه)، أو قائم على تهور رجالى ساذج (أنا ممكن أتجوزك دلوقتى، أو ممكن أروح لباباكى أطلبك منه حالا)، أو قائم على شعور بالشفقة (البنت يتيمة أتجوزها وآخد فيها ثواب)، وهو زواج…، قاطعه صديقى قائلا: له حكمة تقول (مافيش حاجة تيجى كده).

 قال المأذون: وعندك زواج الطيور على أشكالها تقع: كزواج (الراقصة والطبال) أو (الراقصة والسياسى)، زواج لا مبرر له إلا الظروف المشتركة، أو المتشابهة أحيانا، مثل أن يكون العريس والعروس مطلقين أو مغتربين أو تجمعهما مهنة واحدة، أو كلاهما من أرباب السوابق أو أصحاب النظريات السياسية نفسها. اثنان وجدا نفسيهما فى مركب ولهما الوجهة نفسها، فيقرران الزواج لأن وجهتهما واحدة، دون أن يتأكد كل طرف من قدرة الطرف الآخر على قيادة المركب أو الملاحة لتحديد إذا ما كانا يسيران سويا فى الاتجاه الصحيح.

 قال صديقى: هذا زواج نظرية (مافيش فراخ! بس إيه رأيك فى النظام؟!).

 قال المأذون: هو كده، لكن يظل كل ما قلناه نظريات، ويظل النجاح والفشل مرتبطين بهمة الزوجين ورغبتهما فى النجاح.

 قال صديقى: تقصد أن النجاح فى الزواج قرار؟

 قال المأذون: سر النجاح فى الزواج أو فى أى مشروع تُقْدِم عليه أن تكون (عارف إنت عايز منه إيه بالضبط) حتى لا تحتار وتحير الآخرين معك، فكلما كنت على معرفة دقيقة بهدفك كلما كان الزواج ناجحا، فإذا كنت تبحث عن الونس والسكن مع من تحب ستتعلم «تيجى على نفسك شوية» وتتعود أن تكون مَرِنًا مع شريكك وتنحنى للعواصف بمزاجك، تبحث عن «عيل» مثلا فيصبح هذا هو مشروعك الذى تتحمل وتتعب من أجله لتسعد به وهكذا.

 قال صديقى: طب افرض أنا عايز كل حاجة؟

 قال المأذون: صدقنى يا عزيزى صديقى لو عايز من الجواز كل حاجة عمرك ما هتاخد منه أى حاجة.

( من كتاب: الكلاب لا تأكل الشيكولاتة)