عمر طاهر يكتب لمجلة حرة مقال جديد بعنوان : “سَرَّتْه”

لم أصادف قانونا يصف بالضبط ما يجب أن يتوقعه الرجل من الزوجة أو الحبيبة، ما هو أكثر بلاغة من وصف النبى عليه الصلاة والسلام: “وإن نظر إليها سرته”، لم يقل أن يطير عقله بها، أن تجعله يكلم نفسه، أن يرسمها وشما أعلى الترقوة، لا يحتاج الرجل بالمضبوط وبالميزان ما هو أكثر من ذلك “السرور”، ويقول معجم “المعانى” إن السرور: ارتياح فى القلب عند حصول نفع أو توقعه أو اندفاع ضرر، هذا الارتياح فى القلب لا علاقة له بالجمال والسمسمة والنمنمة، وإن كانت كلها أشياء تُدخل السرور، لكن يظل الأمر معلقا بصاحبته وشخصيتها وروحها وحضورها، بدليل أنك قد تصادف من ينطبق على سمسمتها فكرة “جمالها دمه تقيل” أو “جمال بارد”، بل أن المضحك أن هناك درجة ما يجب ألا تتجاوزها السمسمة إذ أن من جمل الذم (وفى بعض الأحيان المديح المسموم) أن فلانة “جمالها بزيادة”.

طبعا هناك نوع من الرجال يسره النظر إلى الجميع إلا زوجته أو حبيبته، وهذا صنف يتعامل مع الجمال كشخص “يتحسوك” فى المول أمام الفتارين، لكن ما يهمنى هو صاحب القلب الذى يبحث عن الارتياح كما قال المعجم، الشخص الذى يستخرج الجمال من المشهد، الذى تنطبق عليه مقولة كبار المتصوفة: “الجمال فى الرائى”، الشخص الذى لا يتوقف نظره عند ملامح الوجه، ولكنه الشخص الذى يعتبر تفاصيل شريكه هى ملامحه، أن يكون قادرا على معرفة ما يعبر عنه وجود شريكه على مقربة منه، أن يعثر على الراحة حتى وهو مغمض العينين.

هناك مطربون عظام بمقياس الطرب، لكن لم تنجح لهم أغنيات مثل التى نجحت لأشخاص لا يجيدون الغناء مثل نجيب الريحانى مثلا، وصلت الرسالة من صوت -علميا يخلو من الجمال- أكثر من الرسالة التى حاولت عبثا أصوات نموذجية أن تنقلها، كان الرهان على ما هو حول الأغنية، كيف ستوصل الرسالة؟

لا يطلب ميزان “سرته” من المرأة المستحيل، يطلب قليلا من الذكاء، الارتياح فى القلب لا شىء يحققه مثل وجه مبتسم، أفضل الأيام فى حياتى هى التى يحدث على هامش أحداثها أن يبتسم فى وجهى شخص غريب لا أعرفه، فما بالك بالقريب، الابتسامة سحر مجانى، يدخل السرور أيا كان ما يقف خلفها، ولا يمكن تجنبها تماما كالعطر، طبعا بديهى أن الابتسامة تكون أجمل إذا ما كشفت عن أسنان نظيفة وشفاه لا يرقد حولها مشروع شارب خفيف، الابتسامة درجات طبعا، ولكنها تضمن الحد الأدنى من السرور.

المفاجآت “تسره”، تغيير لون الشعر لن يسر أحدا، ده إذا خد باله أصلا، لكن يسره منديل فلاحى مشجر تنثر ألوانه بهجة طفولية جلباب خيامية عباءة مغربية طقم الهالوين، يسره مفاجآت كسر الروتين بكل أشكاله، حتى لو كان فى حدود إطار النظارة الطبية التى ترتدينها دوما، الكحل من أجمل المفاجآت وأبسطها، المكان الذى تضعين فيه الطعام كل يوم لتأكلا، عودة إلى الشعر ولا أنكر أن تصفيفه وجعله مناسبة للفن والبهجة أحد مفاتيح السرور، كلما سألتنى صديقة عن رأيى فى مشكلة مع زوجها أقول لها: “روحى الكوافير الأول وبعدين نتكلم”، ولا تظهر بعدها، لكن لأن الميزان “سرته” فيكفى قليلا من الاعتناء.

لا أطلب من أحد شيئا فى هذا المقال، ولكن أذّكر الطرفين أن “سرته” هى المرجعية دائما، أقل منها يفتح باب النفور ويجعلنا نشاهد أشخاص تتحدث إلى بعضها وهى مشغولة بأشياء أخرى، ولا ينظر أحدهما إلى الآخر، وأكثر منها ليس مطلوبا ويبدو كمجهود شبه ضائع، أذكر الرجل أن دور الحبيبة أو الزوجة ليس عمل “الشقلباظات” لتنال إعجابك، وإذا ما حدث لك فى حضرتها السرور وارتياح القلب فقد حصلت على الفائدة التى تلى تقوى الله حسب حديث النبى، وأذّكر المرأة أن المهمة سهلة وليست مستحيلة، هناك امرأة تشعر أنها لن تصبح قادرة على المنافسة فتتمادى فى تجاهل نفسها، وهناك من يسرقها الوقت والبيت وترى أن “سرته” لم تعد مطلبا أساسيا، وهناك ما هو أهم، يتعطل إدراك الرجل لما هو أهم إذا لم يشعر بالارتياح، يكون الرجل فى أفضل أحواله إذا نظر إليها سرته، والمرأة كذلك، لأن السرور مرآة.

طبعا لا يصبح الكلام موضوعيا إذا لم نقل إن من حق المرأة أيضا إذا نظرت إلى الرجل أسرها، وهذا يحتاج لمقال آخر.

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B9%D9%85%D8%B1_%D8%B7%D8%A7%D9%87%D8%B1