عمر طاهر يكتب لمجلة حرة مقال جديد بعنوان : “فراغة العين وفراغة القلب”

خرج الرجل إلى الوجود محملا بفيروس كامن اسمه “العين الفارغة”، ينتقل من جيل إلى جيل عبر شريحة الذكورة الموجودة فى فصوص المخ، هذا الفيروس الأصل فيه هو “السكون”، لكنه يتحرك بقوة إذا كان حامله “قلبه فارغ”.

هناك طرق كثيرة وسهلة تمنع فراغ القلب، فى مقدمتها شعور الرجل أنه محل اهتمام، ولا أقصد هنا مجرد الاهتمام به كشريك حياة، حتى يصح الاهتمام لابد من إسقاط فكرة الشراكة أولا، الشراكة التي تجعل الاهتمام وظيفيا فى سياق “جوزى وأبو عيالى”، يجب أن يكون الاهتمام خالصا لوجه الإنسانية، هناك بنى آدم فى محيط حياتى هو بالصدفة يشغل موقعا ما فى هذا المحيط، لتعرفى عمق اهتمامك بهذا البنى آدم لابد من التفكير فيه حال سقوط هذه الشراكة، كيف ستكون العلاقة؟

هل سيظل محط اهتمام إنسانى بحت؟ هل ستظل حياته محط بحث وسؤال؟ كيف يواجه المشكلة الفلانية؟ كيف يمكنه أن يتغلب على العيب الإنسانى الموجود فيه؟ كيف سيحصل على حقه فى الخناقة الفلانية؟ كيف سيخطو إلى الأمام فى عمله؟ انزعى الشراكة التى تجعل الاهتمام ملفقا، وانظرى إلى عمق العلاقة، هل يشغلك حقا مصير وحياة هذا الرجل لوجه الله والمحبة؟

هل يدفع هذا الرجل مقابل الاهتمام الذى يحصل عليه؟ مثل القيام بواجباته كزوج وأب؟ أم أنك لا تنتظرين مقابلا؟ هل هو اهتمام المطاعم التى تحرص على مستقبل علاقتها بالزبون؟ أم أنه اهتمام أصحاب خيمة الخدمة فى الموالد الذين يحرصون بالأساس على جبر الخواطر فقط؟

هل الاهتمام من جانبك فعل أم أنه رد فعل؟

عندما يشعر الرجل أنه محل اهتمام لشخصه يمتلئ قلبه بفعل الشعور بالامتنان، ستدور عينه الفارغة يمينا ويسارا ولن يرى أحدا.

أنصح عند الزواج دائما بالارتباط بامرأة كريمة، يتحدث كثيرون عن شعور المرأة بالأمان مع الرجل، ولا يفتح أحد سيرة أن يشعر الرجل بالأمان مع امرأة ما، هذا الشعور بالأمان لا يتحقق إلا فى صحبة امرأة الكرم هو فلسفة حياتها، كرم المرأة ينعكس على كل شىء فيها من درجة ضبط التوابل فى طعامها إلى درجة اهتمامها بكحل عينيها مرورا بكرم المودة تجاه الآخرين، المرأة الكريمة ساحرة بالفطرة، لا تدخر شيئا لسعادة من يهمها، المرأة التى لا تجيد الطبخ هى امرأة بخيلة تفوت مناسبة لإسعاد الآخرين بحجج فارغة، المرأة التى لا تهتم بنفسها هى امرأة بخيلة لا يهمها أن تقدم قدرا من الهدوء والسكينة فى صحبتها، المرأة التى لا تعبر عن مشاعرها بخيلة، البخل مُنفر والكرم يملئ القلب بسهولة حتى فوهته، ثم يفيض منه فيما بعد الكرم على صاحبة الأيادى السخية.

يقولون إن أقصر طريق إلى قلب الرجل معدته، وهى مقولة صحيحة ولا شك فيها، لكن الأمر لا علاقة له بالأصناف، لكن له علاقة بفتح الشهية، هناك كثيرات طعامهن بارد لا شهية فيه، لأنه مصنوع حسب الوصفة التى يقدمها رجل على شاشة التليفزيون، رجل تكاد ترى شعيرات شاربه فوق الطعام، هذا ما اكتسبته بعضهن من مشاهدة قنوات الطبيخ، مقادير وخطوات، ولا روح، قد يمتلئ قلب الرجل بالطعام الشهى، لكنه يصبح أسيرا للمسة ما بسيطة تغلف هذا الطعام، الطريقة التى يتم تقديم الطعام بها، التخلص من كلاسيكية “المنيو”، الاهتمام بتفاصيل تفتح النفس بداية من حبات الباذنجان المخلل مرورا بتسخين الخبز نهاية بشكل طبق السلاطة، يمتلئ قلب الرجل عندما تصبح وجبة الطعام مناسبة للبهجة، أيا كانت أصناف القائمة الموجودة، يصبح قلب الرجل فارغا عندما يكون الأكل فى البيت من أجل الاستمرار على قيد الحياة، بخلاف الرجل الذى يناضل للاستمرار على قيد الحياة حتى يهنأ بلحظة الطعام فى البيت.

يمتلئ قلب الرجل عندما يجد شريكته صاحبة وجهة نظر، وامتلاك وجهة نظر يختلف تماما عن امتلاك مجرد رأى، الرأى قد يكون مزعجا باعثا على التشويش غير مرحب به لأنه لا يخلو من جهل ولا يخلو من عيوب شخصية قائله، الرأى يمكن التخلى عنه، لكن وجهة النظر مطلوبة.

وجهة النظر هى خلطة يأتى الرأى فى المركز الرابع فى مكوناتها، وجهة النظر عبارة عن بصيرة، وتأنى فى استخدامها لقراءة الموقف كله، محاولة للموضوعية والعدل بعيدا عن أمنيات شخصية، جزء كبير منها قائم على أن يضع الشخص نفسه مكان الآخر ليجرب ما فيه، وجهة النظر تفتش عن منطقة لم يقع عليها بصر صاحب المشكلة أو طالب المشورة، تقدم الجديد، تتخلص من كل ما هو شخصى، وتفتش بأمانة وبذكاء فى كل تفصيلة، تقديم الرأى يقوم عادة على انطباعات سريعة شخصية تضلل فى معظم الأوقات ولا تفيد، يمتلئ قلب الرجل عندما يعرف أن شريكته تمتلك بوصلة تقدمها له وقت اللزوم ولا يستغنى عنها الرجل، بداية من طريقة اختياره لملابس سيشتريها، نهاية بقرارات مهنية مرورا بمشاكله الشخصية.

تظل فراغة عين الرجل معطلة حتى تحركها فراغة القلب، يطل الرجل هنا وهناك لكن لا خطر طالما قلبه ممتلئ، العين الفارغة لا خطر منها، وإن كان ثمة خوف يجب أن تقلق منه المرأة فهو فراغ الفؤاد.