غادة حامد تكتب: آهات حواء

آهات كثيرة تطلقها بنات حواء منذ نعومة اظفارهن ، ربما منذ ان يبلغن رشدهن في هذه الحياة سواء كن قد أدركن مدي الظلم اللائي سيعانين منه في هذه الغابة ، اقصد الحياة، او لم يدركن.

يبدأ الانين  ينطلق من اجسادهن عندما تبدأ الانوثة تتفجر داخلهن ، فيتقلص رحمهن و يتفجر عن عادة شهرية تعكر صفو  طفولتهن منذرة بمرحلة جديدة من الاهات ، مرحلة القيود و التحذيرات، و القيل و القال، و ما يصح  و ما  لا يصح. تضج ارواحهن انذاك بتقلب الهرمونات و تقلب الامزجة و نوبات الالم و نوبات البكاء الغير مفسرة!

و لا تكاد تعتاد حواء علي هذه المرحلة حتي تفاجئها الحياة بطعنات  الرجال  الذين يطمعون بها و يتلاعبون بمشاعرها لتخضع لهم و تلبي رغباتهم باسم الحب و الحياة و التحضر. وان قاومت المسكينة كل ذلك ، علي ضعفها، و تمسكت بحبل القيم ، الذي بدأ يذبل و يتهالك في هذا الزمان، حتي تنجو بنفسها و ترمي حملها علي الفارس الهمام الذي يخطفها علي حصانه الابيض.

الفارس الذي تنتظر منه ان يفتح لها باب مغارة علي بابا ، لتنهل معه من نعيم الحب و الحرية التي تحلم ان تحظي بهما بعد ان اصبحت اخيرا سيدة القصر .

و تبدأ حواء منذ ليلة زفافها في مرحلة اخري من الالم، مرحلة اخري لم تتوقعها ، وان سمعت عنها

مرحلة تكتشف فيها ان هذا الفارس الهمام ، قد وضعها في القلعة الحصينة ، فوق قمة برج عال،و تركها ليعود لحياته ، يوميا ؛ ما بين عمله و اهله و اصدقاؤه ، حتي يعود منهك القوى يبحث عن لقمة  وضحكة ونومة وبس.

عادة ما يخيب ظن حواء في الوصول للجنة التي تحلم بها مع الفارس الهمام و تجد نفسها مع شبح مثقل بالهموم و المسؤليات و الواجبات ، في افضل الاحوال ان لم يكن بلهوه و عبثه ايضا.

و كالمعتاد ، تبحث حواء لنفسها عن منفذا اخرا لاحلامها ، فتقع تحت اغراء  الامومة   و بريقها. و بين انات الحمل و اهات الوضع، يأتي الاولاد بسحرهم اللذيذ.

و تبدأ في اهات السهر و الحمي و الاسنان و الشغب الذي يثيرها الرضيع ، و بين اهات المذاكرة و المدارس و الحرمان من لحظات تخلو فيها بنفسها لتستمتع بحياتها. و ما ان يشتد عود الاولاد و يتوقفن عن ارهاقها جسديا ، حتي تقع في براثن تربيتهم صبيانا و مراهقين .

فتبدأ في اطلاق اهات اعلي من سابقاتها، اهات من تمرد الاولاد و انسحابهم من تحت يديها و طعنهم في ارائها ، و بين طاحونة طلباتهم التي لا تنتهي للحرية و الاموال و   كل ما لذ وطاب مما يقع عليه اعينهم . عندها يزيد الحمل علي الفارس الهمام،  الذي قد يبدأ  هنا في الانين من وطأة المسؤلية.

و لا تدري حواء المسكينة ان الاهات ستلازمها طوال حياتها، ستلازمها طالما يدق قلبها بين ضلوعها ، ستلازمها لانها جبلت علي ان تكون متدفقة المشاعر ، تتأثر بأوراق الشجر عندما تتبعثر اوراقها في الخريف و تذبل و تقع علي الارض، تتأثر من نطرة  قد تلمحها في عين من تحب ، ايا كان من افراد عائلتها، فتنغص عليها لياليها و تؤرقها فتسهر تفكر في سر النظرة القاسية او الحزينة التي لمحتها.

ستلازمها اهاتها عندما تقلق عند خروج زوجها و اولادها من المنزل كل يوم و تنتظر عودتهم  للبيت بالدقيقة و الثانية و الا تزداد  ضربات هذا القلب  و تعلو ، منذرة  بناقوس الخطر ، في حين قد يكونوا هم في لهو عابثين مستغربين من سبب قلقها!

يكبر الاولاد وتعلو معهم اهات حواء ، لانهم سيتركونها الان، سيتركون مملكتها الي عوالم و بيوت اخري ، ينشغلون فيها عنهم ، ينشغلون بالملذات و بالهموم ينشغلون عنها و يهجرون عشها !

اهات حواء و صرخاتها و بكائها ، الغير مفهوم لدي باقي المخلوقات  ، ما هي الا صيحات تطلقها لتفرغ نوبات الالم الذي لا  تطيقه ، تفرغه من صدرها و ترسله  للسماء ، فيدوي كالرعد يهز الدنيا،  وتسيل دموعها علي الارض لتغرقها في انهار من الالم  تطوق الكرة الارضية كلها ، عندها ، و عندها فقط ،  تفرغ حواء ما في صدرها، لتفسح المكان لتحمل مزيد من الطعنات و الاهات  اللانهائية من الحياة

اهات حواء ستلازمها لان الله اودع بها مشاعر جياشة و عواطف لا حد لها ، فتحمل همها و هم من يهمها من المعاش للمات .  فلكي الله يا حواء ، يا من يتعجب باقي المخلوقات من سر شقاءك و همك و لا يدركون انه قلبك!  لانهم لا يملكون مثله ولن يملكوا!

فاصرخي يا حواء و املأي الكون اهات ، اصرخي  صرخة الوليد لحظة وصوله للحياة ،اصرخي ، ضمي كل المخلوقات و قبليهم و امنحيهم قبلة الحياة  حتي لا يفارقون  الحياة  اصرخي يا حواء فصرخاتك حياة للاخرين و ثمن لن تستطيعي ألا تدفعيه.