غادة حامد تكتب “لحظات ثقيلة”

حالة من القلق تسيطر على المنزل ، الكل يكتم أنفاسه معتقدا أن الآخرين لن يشعروا بقلقه ، لكنهم جميعا لا يعرفون أن صوت ضربات قلوبهم جميعا تكاد تدوي في أرجاء المنزل !
حتى هي ، لطالما حاربت لتصل الى هذه اللحظة ، اللحظة التي تسافر ، تسافر لتبحث عن ذاتها . لأول مرة ستجرب العيش وحدها دون أهلها، تعتقد اعتقادا كبيرا أنها ستسعد بحريتها اخيرا، ستنطلق ، ستتعلم ، ستنهل من خبرات الحياة ، ستقهر كل الصعوبات ، التي قد تراها. لكن إيمانها بذاتها ، يجعلها ترى أن لا شئ يمكن أن يقهرها، و انها ستحتفل كل يوم بلذة انتصارها و قوتها.
لكن الان ، لا يبعدها عن الرحيل سوى بضع سويعات ، و بدأ قلبها الذي لم يكمل العشرون ربيعا يدق بالفعل ، دقة قلق ، ودقة خوف ، و دقة فرحة . اخيرا تمكنت من اقناع اهلها بان تسافر لمدة فصل دراسي علي الأقل لتدرس في مقر جامعتها الامريكية ، في أمريكا .
لقد ذهبت من قبل لامريكا، لكن هذه أول مرة تذهب للعيش هناك وحدها ، كل طموحاتها و تطلعاتها وأحلامها متعلقة بهذه السفرة . انها تعيش الإثارة مخلوطة بالقلق و الفرحة و التوتر. هكذا دائما الدنيا لا تهبك السعادة خالصة، لابد من الشوك مع الورد !
الاب و الام كذلك يكتمان أنفاسهما ، حتى لا تسمع هي دقات قلبيهما. لأول مرة ستفارقهما ابنتهما لتعيش بمفردها !
يكاد قلب الام يقع من مكانه و هي تتخيل ابنتها تجلس في الطائرة وحيدة ، خائفة ، وقلقة، ثم تصل مسكنها الجديد في الغربة ، تغلق بابها و تنام به وحيدة وخائفة ، تفزع لكل طقطقة خشب تصدر من الأرض .
لقد جربت الأم هذا الإحساس من قبل عندما اغتربت لعدة ايام ، انها تشفق علي ابنتها ان تشعر بهذا الاحساس ، تكاد تصرخ قائلة ، لا تذهبي، لا تعرضي نفسك لهذه المشاعر المرعبة ! لكنها تدرك تماما أن ابنتها لن تستجيب و ان كلامها لن يبدو منطقيا !
تقترب من ابنتها تارة، تحاول نصحها، فتنفر البنت من النصح كعادة الأبناء في مثل سنها ، عادة ما يعتقدون انهم كبروا علي النصح ، وتتركها وشأنها، لا تريد ان تزعجها، لا تريد ان تكون اخر ذكري لها هي الانزعاج من الام!
أما الأب فيبدو أنه الأكثر ثباتا ، و لكن ليس كل ما نراه علي السطح يكون حقيقيا.

يعم الهدوء كل الأركان ، كلما اقتربت ساعة الرحيل كلما علت دقات القلوب الثلاثة . و كلما أصبح من الصعب مداراتها.

حقائبها شبه ممتلئة ، شبه جاهزة ، تنتظر اللمسات الأخيرة ! كذلك مشاعرهم ، شبه جاهزة للوداع . سيحاول الجميع تخطي لحظات الوداع الكئيبة بحزم و قوة . عادة اذا مرت ساعة الوداع ، فإنك تنجو من مشاعر لحظة مرة كفنجان القهوة السادة الذي يغلف فمك بمرارته عند احتساءه.

دعت البنت صديقاتها المقربة لتناول آخر وجبة عشاء لها ، مع أهلها حتى تجمع حولها أقرب الناس لقلبها لآخر مرة قبل رحيلها . جاءت صديقتها، و بدأوا يتبادلون الكلام ، ليكسروا حاجز الثلج ، كلمة كلمة تحولت الجلسة لجلسة سمر بين الأطراف الأربعة، علت الابتسامات وجوههم ثم بدأوا يتبادلون الضحكات . انزاح الحمل الثقيل من علي القلوب وعادت الثقة و الطمأنينة تحل محلها.

تبادل الوالدان نظرات الارتياح بعد أن رأوا الابتسامة تعود لوجه ابنتهما بعد أن كساه القلق لفترات . وعادت لهما ثقتهما في قرارهم ثانية و موافقتهما علي سفر ابنتهما وحدها ؛ لابد أن تختبر الحياة و تجرب قسوتها ولو لشهور عدة ، تجرب أن تعتمد على نفسها في كل شئ و في أدق التفاصيل ، تتعلم كيف تحمي نفسها بنفسها وكيف تحافظ على نفسها، تتعلم كيف تنتهز فرصة وجودها في جامعة عريقة فلا تضيع أي لحظة يمكن أن تنهل فيها من علم أساتذتها هناك ، فهم يختلفون في الثقافة و طريقة التفكير و طريقة التدريس عن أساتذتها هنا . يجب أن تعود أقوى و أشد عودا ، فهذا الزمن لا يقوى عليه إلا الأقوياء ، بل يدهس كل الضعفاء ، حينها يطمئنون أنهم أدوا جزء كبير من واجبهم نحوها علي أتم وجه.
يستعد الجميع للذهاب للمطار ، تعود لحظات القلق الثقيلة ، تسير السيارة و كأنها تزحف ببطء علي الأرض ، صوت نشرة الأخبار ينبعث من الراديو ليقطع الصمت ، يحاول الأب أن يعطي بعض النصائح ، يطمئن علي عدم نسيان أي شئ . يصلون المطار، ينزل الجميع للحظة الوداع الأخيرة ، تكاد الصغيرة تبكي و تقول لا أريد أن أسافر، لكنها تتمالك نفسها . يرتعش قلب الأم عندما ترى عيني ابنتها تلمع من الخوف ، و القلق ، فيرتجف قلبها هي الأخرى ! يتحاشي الأب أن ينظر إليهما حتى لا يكشفون ما يدور في أعماقه . يقبلونها ، يسلمون عليها، و يسارعون بمغادرة المطار ، يتسابقون مع مغادرة دموعهم لمقلتيهم ، حتى لا ينهار أي طرف أمام الآخر.
و أخيرا تنساب الدموع المكتومة ، تنهمر دموع الجميع كل علي حدة بعد انصرافهم ، تنزل دموع الفتاة الشابة في المطار ولكن تمسحها سريعا خوفا من أن يراها من حولها، تنهمر دموع الأم فيشد الاب من أزرها و هو يقمع دموعه في داخله. لحظات صمت . ثم يحاول كل منهم أن ينشغل بحياته و طريقه متناسيا تلك اللحظة و داعيا الله ان يحميها ويرعاها فهو أحن عليها منهم و لن يخذلهم الله، آملين أن يجمعهم الله بها قريبا . فالله خير حافظا