غادة حامد تكتب لمجلة حرة : ” هل سافرت لبلاد العجائب “

اذا كنت قد مللت من الواقع و رتابته، من اهلك و مشاكلهم  ، من اصدقائك و حواراتهم المكررة ، من عملك و ضغوطه المستمرة،  تريد ان تهرب من كل ذلك، تختفي من علي وجه الارض ، و لو لساعات قليلة ، فليس لديك الا ان تجلس في غرفتك ، تتمدد علي سريرك ، و تبدأ في قراءة رواية  سواء كانت خيالية او رومانسية او حتي بوليسية . فعندما تقرأ رواية ممتعة، تسافر معها  الي بلاد العجائب و  تثير هذه الرواية في داخلك تساؤلات ; تحيي مشاعر، تميت حقائق ، تعبث مفرداتها في جميع زوايا دماغك ، فتقلب افكارك راسا علي عقب و تثير الفوضي في ارجاء  مشاعرك . تتوحد فيها مع الابطال وتشعر بمشاعرهم ، و تكاد تنطق بكلماتهم ، تشعر باللذة معهم و العذاب لاجلهم ، و ينطلق سياط عقلك ليجلدهم . فلا تدري ان كان يجلدك او يجلدهم . تتوه  معهم بين الورق، فلا تدري ان كنت قد احببتهم لانهم مارسوا كل الممنوعات النائمة في خيالاتك ، ام كرهتهم لانهم حرضوك علي نفسك . وهذه  المتعه  قد لا تكون قد قابلتها كثيرا في حياتك.

عندها تحدث هذه الرواية ضجة في داخلك لا تستطيع السيطرة عليها فتهرب من  الاوراق ، تغلق الرواية ، و تجد نفسك لا تزال في نفس التيه. تغمض عينيك ، فتطاردك الاوراق بشخصياتها و افكارها و مشاعرها ، تحاول ان تهرب لمكان ابعد، او تعود من حيث جئت. لتنشد الاستقرار، فتسبح في عالم الاحلام ، تغلق جفونك عليك  و كأنك تريد ان تبدأ الحياة من جديد بعيدا عن مجموعة  الافكار و المشاعر التي طالما اعتقلتك اعواما طويلة  ، لكن لا جدوى و كأنه قد حكم عليك بالسجن المؤبد داخل هذه الرواية او بالتيه اكثر و اكثر في عوالمها ! 

تغمض عينيك فتخرج كل مشاعرك و افكارك و خيالاتك في مليونية شبه منظمة، في ثورة عارمة عليك فلا تستطيع ان تخمدها و كأنهم اتفقوا عليك ، اتفقوا علي ان يزلزلوا كيانك بهتافهم الصارخ ( مش هنمشي ) حينها ، لا تجد بدا الا الاستسلام التام لهم او الموت الزوؤام في جدران الرواية الهلامية  ، تستسلم خانعا خاضعا ولكنك مستمتعا في نفس الوقت ! مستمتعا بهذه الاجواء العشوائية التي اعترتك ، بهذه الجدران الهلامية التي احتوتك حتي اختلطت اوراق حياتك مع اوراق القصة و اقتحم الابطال الحقيقين  حياتك  ، 

تختلط احداث حياتك مع احداث القصة فلا تعرف ان كنت قد خنت شريكة حياتك مع بطلة القصة ام بطل القصة هو الذي خانها ، و لا تعرف ان كنت انت الذي قتلت بطلة الرواية  ام البطل  هو  الذي قتلها ؟ و تتساءل و لماذا لا تتحول احداث القصة الي حقيقة، و اعيش نفس المغامرة ، فتهب في وجهك معتقدات و اخلاق و عادات وتقاليد لم تهب في وجه بطل القصة ! و تحتار اي الحياتين تريد ان تحيا ؟ حياتك ام الحياة التي في القصة! 

  حينها تشعر كانك دخلت بلاد العجائب ، وانك وجدت نهايات مختلفة لبدايات قصص اخرى عرفتها ، تشعر كانك دخلت عالم الخيال تلهو في  كل ما فيه فتكتشف حيوات مختلفة مثيرة لذيذة ونهايات قصص مبتورة و ابطال لقصص جديدة يسيرون هناك، في الداخل ، في خيالك، لكنك لم تقابلهم ابدا ، تراهم لاول مرة و تتمني حينها ان تعيش معهم في الخيال للابد او يعيشون معك في الواقع للابد.

ثم … ثم، تأتي ساعة الفراق التي تنتصر فيها و تفيق  و  قد ارتسمت علي شفتيك  ابتسامة المتعة  ، و  تبقي علي اطراف لسانك طعم اللذة ، فتهرع لاوراقك،  و مدوناتك لتسجل كل نهايات القصص المبتورة   التي عشتها هناك قبل ان تتطاير من مخيلتك، تهرع لتصف كل الابطال الذين توحدوا معك  ، و تلبسوك  برضاك ، لتسجل كل الاحداث التي عشتها حقا ، لكن  يتمرد عليك  قلمك و يأبى الا يسجل الا  لذة  متعة  اخرى ، متعة المغامرة البكر ، متعة الاقتحام  ، متعة اقتحام  الخيال ، وهي في حد ذاتها امتع و اغرب كثيرا مما عاصرته و عشته في الخيال، متعة كسر التوابيت المغلقة المحددة الشخصيات، الواضحة  المعالم و العادات و التقاليد، متعة كسر رتابة الواقع و شخصيات الواقع و احداث الواقع ، و نهايات الواقع ، متعة اكتشاف عالم اخر ، امكنك ان تدخله بلا استئذان فتلهو و تلعب بلا حواجز او قيود. هذه المتعة تشبه دخول الانس لعالم الجن ثم خروجه منه بسلام !  وهي المتعه الاكبر  و الاغلي  من كل   القصص التي عشتها في خيالك ، اللامحدود!  

فلا تحرم نفسك يا عزيزي من اكتشاف هذه المتعة كلما استطعت، لا تترك نفسك حبيسا داخل عالم واحد فقط ، فرض عليك،  فيخنقك بواقعيته . بل اقرأ ، اقرأ  و عش العوالم الاخري و استمتع بالتعرف علي الامزجة المختلفة للناس و المذاقات المختلفة للأطعمة التي لم تعرفها من قبل، تعرف علي شخصيات مختلفة و زوايا اخري في أركان الحياة  لم تعتد ان تراها، فتتفتح امام اعينك افاقا جديدة و تجاربا جديدة ، و تسري في عقلك لذة لا مثيل لها عند السفر في ادمغة و عوالم الاخرين، لذة تسري بسرعة التيار الكهربائي في الجسد فتعيد له الحياة تماما كما يفعل الاطباء لاسعاف المرضي ، فاقرأ و عد للحياة من بلاد العجائب!