- Advertisement -

غادرنا رمضان ، و لم اجدها بعد !

تغادرنا نسمات رمضان و رائحة بخوره الطيبة التي لا تفارقنا اينما ذهبنا ، تغادرنا صورة فوانيس رمضان و الزينة التي تملأ الشوارع، 

يغادرنا رمضان باجواءه الحافلة بالايات القرانيه و الصلوات و التسابيح التي تضفي نورا علي نور الشهر، يغادرنا الشهر و تغادرنا لمة العيلة و صلة الرحم التي لا تكاد تجمعنا الا في بضعة ايام في هذا الشهر فقط، دونا عن باقي اشهر السنة. تغادرنا مسلسلات رمضان التي نحاول اللحاق بها و تكر الايام دون ان ندرك الا قليلا منها، تغادرنا الاعلانات الطويلة المملة التي تميزت هذا العام بعدم ارتباطها علي الاطلاق بالمنتج الذي تعلن عنه، تغادرنا دعوات التبرع لمراكز القلب و السرطان و المستشفيات باعلاناتها المتسولة احيانا و القاسية احيانا كثيرة، تغادرنا القطايف و الكنافة وقمر الدين و الياميش الذين لسبب مجهول ، و علي الرغم من حلاوة طعمهم و حب الناس لهم ، يأبون الا ان يتألقوا شهرا واحدا في العام ، ليتوجوا علي عرش موائده .
يغادرنا الشهر برحمته و مغفرته و عفوه و ليلة قدره، يغادرنا الشهر بل يجري امام اعيننا .تغادرنا اخلاق رمضان التي ارغمنا انفسنا عليها طول الشهر الكريم ، فتجدنا نتعذب في ترك كل الموبقات و افات اللسان و القلب ، اكثر مما نتعذب من عطش صيام يوم صيفي رمضاني حار و كأن الاذية و المفاسد اصبحت عضوا جديدا في اجسادنا يعاني من عدم ممارسة سوء الخلق كما تتعذب المعدة من قلة الاكل و كما يجف الحلق من قلة الماء.
يغادرنا رمضان و معه البرامج الدينيه العديدة و نصائح الوعاظ و الدعاة القدامي منهم و الوجوه الجديدة ، الذين ينتهزون فرصة الموسم للظهور و الشهرة و الوعظ و كسب جمهور الشهر الفارين من ذنوب المسلسلات الي ثواب البرامج الدينية .

يغادرنا الشهر و انا لا ازال ابحث فيه عن المرأة ، فلا اجدها الا تلهث
بين المطبخ و المسلسلات و العزومات و العمل و الصلوات و الدعوات او تتصدر المسلسلات في ادوار عدة سواء كوميدية او جادة ، او في البرامج سواء كضيفة او مذيعة في برامج اجتماعية او ترفيهية. يغادرنا الشهر و انا لم اجد بعد في ثناياه او ايامه و لا لياليه اي اثر لامرأة واحدة تظهر و لو علي استحياء كداعية باحثة في امور دينها تعلم و تتعلم و تفتي و تجتهد و تناقش .
و اعود بذاكرتي ، علي غفلت احداهن ، لكني لا اتذكراي اسم لاي داعية امرأة تظهر علي شاشات التليفزيون او تتصدر السوشيال ميديا ، ولا يحضرني اسماء اي داعيات من بعد جيل عبلة الكحلاوي و سعاد صالح و ياسمين الخيام الا د نادية عمارة و التي لم أرها طوال الشهر الكريم علي اي شاشة !
و اتعجب لاننا بالفعل نفتقد وجود داعية شابة عصرية، علي شاكلة عمرو خالد و مصطفي حسني ، تعكس الصورة العصرية المتوازنة للمرأة المسلمة التي تحاور و تجادل و تدعو للحق و الوسطية ، و في نفس الوقت تدلي باجتهاداتها في كل المشاكل التي تواجه المرأة في زماننا هذا . ابحث عن داعية دارسة ، مثقفة ، متحررة الفكر ، مطلعة علي مختلف اقافات العالم ، رشيقة القوام ، حسنة المظهر ، ملتزمة الملبس ، متفتحة ، تنتهج اسلوبا سلسا في الحوار . لم اجد اي امرأة قررت ان تسلك طريق الدعوة و تجذب البنات و الفتيات و النساء الحائرات بفكرها المتفتح و مظهرها الانيق المحتشم ، من بين ايدي الشيوخ الذين لا يزالون يفتون في شرعية الحجاب و الحواجب و عمل المرأة و سفرها ، داعية تكسر جبل الجليد الذي بدأ يتكون في الاسر بين الابناء و الدين، داعية تناقش امور المرأة من منظور فقهي نسوي ، ووجهة نظر امرأة تشعر بمشاكل المرأة و تعاني مما يعاني منه بنات جيلها ، داعية تعرف كيف تتخطي العقبات و تكتسح الساحة جامعة حولها الفتيات من كل المستويات و الطبقات.
نحن بحاجة ، خصوصا في ظل حالات التردي الاخلاقي الواضح الذي نلاحظه في المجتمع و التشتت الشديد في امور الدين ، و في ظل ظهور المرأة بشكل خاص في الدراما في نماذج اغلبها غير مشرف للمرأة، يدعي المخرجين انها تعكس الواقع، و في ظل الازدياد الملحوظ لانتشار الملابس الغير متسقة مع عاداتنا و تقاليدنا و ديننا و في ظل ازدياد حالات خلع الحجاب و تبرأ الشباب من اي مظهر ديني بسبب الصورة السيئة التي تركها المتشددين في اذهان الناس.
هذه الظواهر كلها و أكثر ، تعكس الاحتياج الشديد لصورة مشرفة للمراة المثقفة المتدينة تسطع علي كل الشاشات التليفزيونية و الرقمية كنموذجا عصريا للمرأة الداعية في المجتمع ، نموذجا يعيد للشباب ثقته في امكانية تحقيق المعادلة الغير مستحيلة بين العصرية و التدين او حتي الالمام بشؤون دينه من شخصيه عصرية تشابهه
هناك فجوة كبيرة ، فجوة في جيل او عدة اجيال ، فجوة لداعيات خشين التحدث مع العامة و آثرن الدعوة داخل جدران المساجد ، داعيات لا يدركن ان زبائنهن لسن من مرتادات المساجد فقط بل في النوادي و المقاهي و امام التليفزيون و علي شاشات السوشيال ميديا ، داعيات لا يتنازلن عن دورهن في حوار ديني مجتمعي يحاربن فيه و يحاربهم المعارضون فلا يخافون في الله لومة لائم!

و يبقي السؤال يدور و يدور في ذهني بلا اجابة ؛ لماذا هجرت المرأة مجال الدعوة ، لماذا نأت بنفسها عن دور ،ان ظهرت فيه و اخلصت، ستكتسح ، ربما لندرة وجود منافسات، هل تخاف المرأة التوغل في هذا المجال ام ينحيها الائمة و الدعاة ! هل تخشي المرأة الداعية دخول مجال الاعلام و السوشيال ميديا فينهشها وحوش هذا الزمان؟ ام ليس لدينا من هي مؤهلة لذلك؟ سؤال لم اجد له اجابة طوال رمضان، و حتي بعد ان انقضي رمضان و غادرنا ! فلا زلت ابحث عن هذه الداعية و لا اجدها!