- Advertisement -

ماذا بعد تمزيق سراويلنا؟ كتبه محمد عبد الخالق

السروال الممزق ليس موضه جديدة ولم تدخل وطننا العربي حديثا، ظهرت في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي مع الهيبز في أمريكا وأوروبا، خاصة في ملابس وسراويل الرجال، ثم اختفت لتعود مؤخرا، لكن هذه المرة عادت في سراويل النساء، فاختلف شكل القطع ومساحته ومكانه، ليتناسب مع الجسد الأنثوي.

حتى المحجبات والمحتشمات اللاتي لا يظهرن جزءا من سيقانهن وأفخاذهن من خلال “شباك” بالسروال، ارتدين هذه الموضة بعدما تم تعديلها، بوضع قطعة قماش من لون مختلف فوق الفتحة؟!

لماذا إذا تلك الفتحة طالما ستغلقينها مرة أخرى؟!

لنكن ناضجين بقدر يكفي لنتجاوز كل مبررات الإثارة والشقاوة والإغراء والرغبة الخجولة في التعري، ولننظر للأمر نظرة نفسية بحتة، النظرة التي تقول لنا بوضوح وصراحة إن مثل هذه الموضات الصادمة غير التقليدية ما هى إلا صرحة تمرد.

الرغبة في التمرد حاضرة دائما، وإن اختلفت درجة ظهورها، موجهة إلى السلطة بشكل عام، إلى الراغبين في فرض السيطرة، إلى كل ما هو “مفروض”، سياسيا أو اجتماعيا أو حتى اقتصاديا، تقاليع الشباب الغريبة، التي عادة ما تسبب لنا صدمة، سواء فيما يسمعون من موسيقى، أو فيما يرتدون من ملابس، أو حتى في طريقة حديثهم وقاموسهم الخاص، ما هى إلا تمردهم على الأجيال السابقة.

لكل جيل سياقه وحياته وأسلوبه، فلم يعرف التاريخ الاجتماعي جيلا لم يتمرد على الأجيال السابقة عليه ويصطدم بها، إلى أن يستقر ويتحول أسلوبه الذي كان جديدا للأسلوب المستقر الواجب اتباعه، وما إن يدخل منطقة “المفروض” حتى تدور العجلة مرة ثانية ويبدأ التمرد ضده وستستمر هذه العجلة في دورانها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ثم ماذا بعد؟!.

هل رضينا بنصيبنا من التمرد والاختلاف بتمزيق سراويلنا؟ هل سنقف في مشوار تمردنا دائما على الشكليات فقط؟ هل ستظل المظاهر تحكمنا ولا نتجاوزها للجوهر والعمق أبدا؟ لماذا لا نرفع راية التمرد التغيير في وجه كل شيء في حياتنا؟

يا أحبائي … لا تربطوا المعاني الكبيرة بمظاهر صغيرة، تعالوا نطلق دعوة للتمرد ضد الخوف بالجرأة والشجاعة، ضد القهر بالصرراخ بـ(لا)، ضد الفقر بالعمل والسعي والاجتهاد، ضد الكسل بالنشاط والحماسة، ضد فقدان الأمل بنظرة تفاؤل نصنع بها المستحيل.

أنا مع التمرد لأقصى حدوده، أرحب به وأدعمه، حتى لو كان هذال التمرد ضدي أنا شخصيا، فكل ما هو آت آت، لم يذكر لنا التاريخ أن أحدا نجح في التصدي للجديد، أو إيقاف التغيير، فلماذا لا نتعلم ونشارك بأنفسنا في التغيير.

لو توقف كل جيل عن محاولات فرض ثقافته وأسلوبه على الجيل الذي يليه، سنشهد انتقالا “سلميا” تدريجيا من القديم للحديث، من الفشل للنجاح، من التخلف للتقدم، من الرجعية للحداثة، انتقالا ينقذنا من الجمود ويضمن استمرار سُنّة التطور، وفي الوقت نفسه يحمينا من الشطحات الغريبة، وقرارات العند والعقاب السلبي من الشباب.

اصطدامنا دائما وعدم تواصلنا كان السبب الرئيسي في الفشل الذي نحصد حنظله على جميع المستويات، لأننا الأمة الوحيدة التي اختارت أن تبدأ من الصفر، وتلقى بخبراتها الماضية خلف ظهرها، طبيعي ألا نشهد تقدما أو تطورا أو حتى نضجا على المستوى الإنساني، طالما لا نراكم خبراتنا ونستفيد من القديم للانطلاق للجديد، طالما مصممين دائما أن نبدأ من الصفر.