- Advertisement -

“أمّك اسمها ايه؟” كتبه محمد عبد الخالق

العادات والتقاليد مرآة المجتمع، تعكس خصوصيته وثقافته، وفي الوقت نفسه تعكس مدى تطوره وتقدمه وتحضره، ولا يمكننا الحكم على عادة أو تقليد بالقوة والتمكن من المجتمع، إلا إذا رأيت النظام الرسمي لهذا المجتمع يتعامل معها باعتبارها من الحقائق والمسلمات، التي لا تحتاج لقانون ينص عليها أو يؤكدها، ومن أبرز الأمثلة التي يمكن أن تشرح ما أقوله في مجتمعاتنا العربية عامة “اسم الأم”.

وصولنا للقرن الحادي والعشرين لم يستطع أن يضع حدا لتلك العادة الغريبة التي يتفرد بها المجتمع العربي، ألا وهي عادة تعامل الرجل مع اسم المرأة (أمه – أخته – زوجته – ابنته) معاملة الأسرار الحربية، عادة غريبة فعلا لم نعرف بوضوح السر الحقيقي وراءها، هل خوفا عليها، هل صونا لها، هل خجلا منها ومن عدم قدرته على دسها في التراب يوم ولادتها؟!

أيا كان السبب الذي جعل الرجل العربي قديما يحيط اسم المرأة بكل هذه السرية، ما القوة التي تتمتع بها هذه العادة لتبقى حتى الآن، بعد كل هذا التطور والتقدم والتحضر؟! وما يصدمك أكثر أن هذه العادة ليست مقتصرة على فئة اجتماعية أو تعليمية أو بيئية معينة، تجدها في الريف وفي الحضر، في الصعيد وفي الدلتا وفي بحري، في البادية وفي المدن، بين غير المتعلمين وبين من حصلوا على قدر كبير من التعليم.

لاتزال عادة التحفظ على اسم الأنثى قائمة بعد كل ما حققته المرأة من نجاحات، وبعد كل ما نالته من حريات، اكتشفنا بعد انتهاء الصراع مع القوى الرجعية أنها منصوص عليها في الأديان، فهل من عيب أو انتهاك أو انتقاص للمرأة إذا ذُكر اسمها، بعدما أنزل الله تعالى سورة في قرآنه الكريم باسم “مريم” تكريما لها، ولرسوله ونبيه المسيح عليه السلام الذي نسبه رب العزة إلى أمه (عيسى بن مريم).

هل ينقصنا دليل على تأخر وتخلف هذه العادة، بعدما وصل إلينا اسم والدة الرسول صلى الله عليه وسلم “آمنة بنت وهب”، وأسماء زوجاته الكرام أمهات المؤمنين اللائي قال الله تعالي عنهم في محكم آياته: “يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ”. (الأحزاب – 32)، وكل هؤلاء المكرمات وصلتنا أسمائهن ونرددها دون خجل أو شعور بالعار أو الرغبة في إخفائه.

وحديثا فقد رفعت المرأة اسم دول بأكملها، تفتخر بهن بلدانهن وشعوبهن الواعية في مجالات عدة، فحفظ التريخ أسمائهن: ملك حفني ناصف – لطيفة النادي – سميرة موسى – سهير القلماوي … وغيرهن كثيرات، شموس أضاءت ومجالات عامة كان يظن البعض أنه لا يقدر عليها سوى الرجل.

ومن أدلة تمكن هذه العادة من المجتمع للأسف، وجود موافقة رسمية غير معلنة عليها من قبل سلطات الدولة، ولن أنسى عندما ذهبت لاستخراج البطاقة الشخصية لأول مرة، قبل تحديث البطاقات الشخصية وجعلها بطاقة الكترونية (أيام البطاقة الورق)، وجدت الاستمارة المطلوب مني ملء بيناتها بها خانة لاسم الأم، وأسفلها مباشرة خانة بها خيارين: الأول: أرغب في ذكر اسم الأم، والآخر: لا أرغب في ذكر اسم الأم، في إجراء يشبه تقنين عادة إخفاء الاسم.

وأكاد أجزم أنه لم يوجد في مصر من كان يختار ذكر اسم الأم في بطاقته وكأنه عيب أو جريمة أو فضيحة يجب سترها، ويكفي أن يكون اسم الأم لدى الحكومة محفوظا ومستورا في طيات أوراقها ووثائقها، ولا داعي أبدا لكشفه وهتك ستره.