- Advertisement -

محمد عبد الخالق يكتب لمجلة حرة مقال جديد بعنوان “اشتروا راجل”

اشتروا راجل

محمد عبد الخالق

انتبهت من شرودي تتردد في أذني عبارة: “يا ابني احنا بنشتري راجل”؛ التي كنا نسمعها في أفلام (الأبيض والأسود) القديمة؛ بنفس صوت الأب، الذي أضفى العمر على صوته رخامة وعمق وهدوء، بعد دقائق تفكير في الشباب الذي يفكر حاليا في الزواج، وما يواجهه من مسئوليات ومطالبات مادية صعبة، في ظل الوضع الاقتصادي الذي يشهد انقلابات متعددة ومتتالية على مستوى العالم بأسره.

لا أحد منا لم يحلم في يوم من الأيام برؤية ابنته أو ابنه في أفضل حال، يعيش سعيدا مرفها في حياة سهلة رغدة، يجد ما يتمناه دون عناء أو مشاكل أو تعب، لكن الحقيقة أن الحياة أحيانا كثيرة يكون لها رأي آخر، ففي هذا العصر الذي تضرب فيه الأزمات الاقتصادية أكبر الدول، وأغناها، لابد أن يكون هناك بديلا وبدائل كثيرة حتى تسير الحياة، فالحكمة تقول: عندما تواجه جبلا فإن الالتفاف حوله أسهل من إزالته.

الزواج سنة الله تعالى في خلقه، معجزة استمرار الكون وتعميره، المهمة التي خلقنا الله من أجلها، وحملنا أمانتها رسميا، حثتنا التعاليم والحكم في كل الحضارات القديمة والحديثة، الدينية والبشرية، على إتمامه بالشكل الذي يصون الأسرة ويحفظ حقوق أفرادها، وأكدت على ضرورة تيسيره وتشجيع الشباب عليه لحماية المجتمعات واستقرارها.

وكانت الشروط الواجب توافرها في الزوج دائما ما تدور حول صفات تتعلق بالأخلاق والتربية وحسن معالمة الزوجة، لم نجد أبدا من يشير إلى المستوى المادي للزوج، أو مقدار ثروة والده التي سيرثها، أو مدى الرفاهية التي سيوفرها.

ففي التاريخ الضارب في القدم نجد الحكيم الفرعوني “بتاح حتب” يقدم النصيحة للرجال عام 2400 ق.م قائلاً: “إذا كنت رجلا ذي شأن فأسس لنفسك أسرة وأحب زوجتك في المنزل كما يجب، وأشبعها واكسها واستر عليها وكن بلسما يداوي ويريح أطرافها، وادخل السعادة إلى قلبها بطول حياتها، فهي حقل طيب لسيدها”.

وفي قصة سيدنا موسى التي أنبأنا بها القرآن الكريم، نجد ابنة نبي الله شعيب تصف موسى لأبيها قائلة: “قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ” (القصص – 26)، وهنا قرر نبي الله شعيب ألا يكتفي باستئجاره للعمل لديه، وإنما اختياره زوجا لإحدى ابنتيه الغاليتين.

ثم أتى نبي الله عيسى “عليه السلام” ليكمل الرسالة الإلهية ويقدم لنا تعاليمه التي نقلها لنا تلاميذه وحواريوه ناصحا بالاهتمام بالأسرة والتمسك بمكارم الأخلاق والحب  والتسامح والعطف بين الزوجين، والارتباط بينهما رباطا مقدسا لا تنفصم عراه أبدا.

وجاء نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم، فأكد على أهمية الزواج وشجع الشباب عليه صراحة في الحديث الذي رواه ابن مسعود رضى الله عنه: “يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج”، قولا واحدا صريحا واضحا، ثم بين ووضح أساس هذا الزواج الذي لا يقوم على مال أو أملاك أو سيارات فارهة أو مبالغات مادية لمجرد الشكل الاجتماعي والوجاهة الفارغة، وإنما قال لولي الفتاة في الحديث الذي رواه الترمذي: “إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)، مؤكدا أن الدين والخلق هما الأساس، وما عداهما كماليات غير ذات أهمية.

المبالغة في طلبات الزواج تتسبب في تعجيز الشباب وعزوفهم عنه، مما يفتح الباب لمشاكل اجتماعية كثيرة مثل شيوع العلاقات المحرمة التي يرفضها ديننا ومجتمعنا، أو شيوع أنواع من العلاقات حتى لو كانت غير محرمة فإن مشاكلها الاجتماعية عديدة مثل “الزواج العرفي”، أو اللجوء للاستدانة التي تثقل كاهل الأسرة كلها، سواء أسرة الفتاة أو الزوج، وتنتهي في كثير من الأحوال في السجون عند العجز عن تسديد تلك الأموال، وكلها أشكال من الـ”فتنة في الأرض وفساد كبير” التي حذرنا منه الرسول الكريم قبل أكثر من 1400 عاما.

 كما حرص رسولنا صلى الله عليه وسلم الرجل على إرساء مبدأ مهم وواضح وهو تقدير الرجل لزوجته وتكريمها، وتقديم لها ما يقدر عليه، دون تفريط أو إفراط أو تحميله ما لا طاقة له به، فجعل الأمر متروكا كل حسب قدرته وإمكانياته، عندما قال لأحد الصحابة عندما أراد أن يتزوج: “التمس ولو خاتما من حديد”، عندما طلب منه أن يقدم صداقا أو مهرا لزوجته، فلم يجد.

أحبائي … يسروا ولا تعسروا، ابحثوا عن الأخلاق قبل البحث عن الأموال، ابحثوا عمن يصون بناتكم وعمن تصون أبناءكم، قبل البحث عن المنزل الكبير أو السيارة الفارهة، هل من عاقل يظن أن الأموال وحدها تسعد النفوس، وأن الثري دون أخلاق يصون المنزل ويحافظ على أهله؟ ألم تثبت لكم الأيام والتجارب والقصص والحوادث والقضايا التي تكتظ بها المحاكم أن المحبة والألفة والرحمة والمودة هى عماد الزواج، وأي شيء آخر مجرد كماليات تأتي وقتما تأتي، وبالقدر الذي يكتبه الله ويرزق به؟