- Advertisement -

محمد عبد الخالق يكتب لمجلة حرة مقال جديد بعنوان “عقولنا في نيران “السوشيال ميديا” … النضج أو الاحتراق”

عزيزي القارئ …

اعذرني إذا وجدتني أهاجم “وسائل التواصل الاجتماعي” التي أتواصل معك من خلالها، فلا أبغي إلا مصلحتك، ولا أهدف إلا إنارة طريق مظلم تظنه منيرا من كثرة ألوانه.

عندما ظهر الإنترنت في حياتنا (كعرب) منذ ما يقرب من عشرين عاما، كثر الحديث عن العالم الواحد، واختفاء المسافات، واستخدمنا مصطلحات من نوعية: “العالم أصبح قرية صغيرة”، لكن في الحقيقة لم نعش هذه المعاني حقيقة إلا منذ سنوات قليلة، هى عمر وسائل التواصل الاجتماعي، التي كانت بمثابة التطبيق والتنفيذ العملي لأفكار الإنترنت النظرية فيما يخص التواصل ومحو المسافات.

ويمكننا القوم حقيقة أنه إذا كان هذا الكون نشأ –كما يقول بعض علماء الفيزياء- نتيجة انفجار عظيم، فإن وسائل التوصل الاجتماعي (السوشيال ميديا) تستحق عن جدارة وبلا منازع لقب “الانفجار الثاني”، الذي غير شكل هذا الكون، وحققت فعلا ما كنا نسمع عنه من محو الزمان والمكان “الزمكان”، وجعلت العالم قرية صغيرة فعلا، فإذا عطس أحدهم في أقصى القطب الشمالي، يرد عليه آخر في نفس اللحظة من القطب الجنوبي “يرحمكم الله”.

حسنا … كيف استقبلنا هذا الانفجار في وادينا الطيب، وكيف استفدنا منه، وإلى ماذا أوصلنا؟!

يمكن التأريخ للانفجار الثاني (انتشار مواقع التواصل الاجتماعي وتحديدا فيس بوك وتويتر) بتاريخ الثورة المصرية 25 يناير 2011، فما قبلها كان مجرد بدايات في نطاق محدود بعدد مستخدمين محدود، ومنذ هذا التاريخ تضاعفت أعداد مستخدميه، بين مختلف شرائح المجتمع العربي الثقافية والعمرية، وكان الربط بين هذا الموقع وأحداث الثورة أحد أسباب هذه الهجرة الجماعية لـ”فيس بوك”، حيث أراد الجميع معرفة هذا “الجنّي” الذي أشعل ثورة وفعل ما لم يكن أحداً يتخيله.

ورغم أن الفيس بوك كان ولايزال هو المسيطر على الشريحة الأكبر من رواد مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، فإنه يأتي في المرتبة الثانية وربما الثالثة في بعض دور الخليج التي يتصدر عنها موقع التدوينات القصيرة تويتر وتطبيقات أخرى مثل سناب شات أو انستجرام، لكن في النهاية وجدنا أنفسنا أمام “جنّي” جديد، جعل العالم فعلا عند أطراف أصابعك؟

مع الانتشار السريع والضخم لمواقع التواصل الاجتماعي، والتطورات التقنية التي لا تتوقف هذه المواقع عن تقديمها، بدأت تحيد عن دورها الأساسي (التواصل مع الأصدقاء وأنشاء قاعدة معارف) إلى القيام بأدوار أخرى مختلفة، وأصبحت ملخصا لكل شيء في الحياة: السياسة، والصحافة والإعلام، والفنون، وحتى بيع وشراء وتبادل السلع بجميع أنواعها التي تتخيلها والتي لا تريد أن تتخيلها.

وكما نعرف خلال السنوات الست الماضية مرت مياه كثيرة تحت الجسر، وتبدلت الأمور، ففي السياسة بدلا من استعمال وسائل التواصل الاجتماعي من قبل الشعوب كوسيلة إعلام بديلة، انتبهت الدول والأنظمة لأهميتها، وأصبحت هى التي تخاطب بها شعوبها، طبعا حدث هذا بعد ثمن باهظ دفعته بعض الأنظمة العربية.

ولم يعد خافيا على أحد أهمية هذه الوسيلة إعلاميا، وقدرتها على إشعال الرأي العام في دقائق معدودة، وهو ما أدى إلى ظهور ما يعرف بـ”اللجان الإلكترونية”، التي يستعين بها البعض لإحداث انتشار (كاذب) لرأيه ووجهة نظره.

عند هذه النقطة من الحديث أعود إلى أول سطر في المقال، الذي عتذرت فيه عن مهاجمتي لأكبر وأهم وسيلة تواصل نعتمد عليها جميعا، وهجومي ليس لإثبات رأي معين أو مهاجمة آخر، ليس لرغبة في هزيمة أحد أو النيل من جهة، لن أستعين فيه بلجان أو جيوش تدور في أرجاء الفضاء الإلكتروني بمقولات جاهزة لنشرها على أكبر نطاق، فكل ما أهدف إليه من هذا الهجوم هو تنبيهك قارئي العزيز وإضاءة لمبة حمراء.

فمن المفترض أن تكون السنوات الست الماضية قد أنضجتنا، وأصبحنا مؤهلين فعلا للتعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي، والاستفادة منها بشكل حقيقي، دون السقوط أسرى تحت أقدامها، أو عبيدا لتحركاتها، وكشف كل حركات ووسائل وأساليب الكذب والتدليس والتلاعب، التلاعب.

الجميع الآن بكل بساطة وسهولة يمكنه أن يكتب وينشر ويضع عناوين وينتحل صفات، وينشئ صفحات ويضع روابط لموضوعات توحي بأنها منشورة صحفيا، فكيف بعد أن تعرف أن الإحصائيات تقول إن عدد الحسابات المزيفة على وسائل التواصل الاجتماعي وصلت إلى حوالي 150 مليون حساب، تثق في ما تقرأه وتراه على تلك الصفحات؟!

قبل تصديق الخبر ومشاركته ونقله للآخرين والتعامل معه باعتباره حقيقة، أنصحك بأخذ نفس عميق، ثم البحث بهدوء عن هذا الخبر (إن كان يهمك) في أكثر من مصدر حتى تتأكد من صحته، لا تدع نفسك تسقط في ماكينة الأكاذيب التي تعمل بكل طاقتها على تلك المواقع لأسباب مفهومة ومعروفة.

فإذا لم تنضج عقولنا بعد كل هذه النيران التي مرت عليها، أولى بها إذا أن تحترق.