مقال جديد لجيهان جمال : أنقذينا ياست الأستاذة أمينة

فى رواية “انا حرة” للكاتب إحسان عبد القدوس و التى تدور احداثها فى عام 1952، و التى تحولت  الى فيلم سينمائى فى عام 1959، لعبت الفنانة لبنى عبد العزيز دور شخصية أمينة، الفتاة المتمردة على تقاليد المجتمع، التى لا تبحث عن عريس و تفضل ان تعيش حرة. ‎ هذه الشخصية وبالرغم من تشابه اسمها مع الست أمينة زوجة السيد أحمد عبد الجواد (سى السيد) فى ثلاثية نجيب محفوظ  والتى تدور احداثها بداية من عام 1917، الا ان الشخصتين هما كقطبى مغناطيسين متنافرين.

على عكس “أمينة” احسان عبد القدوس، فان الست أمينة زوجة سى السيد و لاتى يضرب بها المثل حتى يومنا هذا للمراة المقهورة مهيضة الجناح، كانت تعيش فى كنف رجل لم ترى منه غير بٓرم الشنب والسهرات الجهنمية عند الست جليلة و القسوة و الاستبداد فى التعامل معها و مع اولادها. ‎ادى الفنان يحيى شاهين دور سى السيد ببراعة شديدة، فٓكٓرهت النساء صورة هذا الديكتاتور ونفروا منه.

ولكن مع مرور الوقت، اهتزت صورة سى السيد فى نظر السيدات و لم يعدن يهبنه، و شيئاً فشيئاً وضعنه جانبا سواء بكامل أرادته أو رغماً عن شنباته.  ‎ولو نظرنا لارتفاع اعداد المرأة المعيلة فى مجتمعنا لأدركنا أنه كان لزاماً أن يركن بعض الرجال  على جنب.

لو عقدنا مُقارنة بين  شخصية الفتاة المتمردة “امينة”  فى رواية “أنا حرة” وبين شخصية “الست أمينة” ‎فى ثلاثية نجيب محفوظ  سنضع أيديناعلى بعض من الأسباب التى ادت الى تصدع صورة سى السيد فى نظر الكثير من السيدات.  اولا يجب ان نُدرك أنه كان هناك دوماً خيط  رفيع يربط  بين هاتين الشخصيتين، ‎هذا الخيط هو الحُب والحُرية ، فقلب المرأة المُتدفق بالعاطفة والمُتسع ليظلل بالمحبة على الجميع كان هو وجه التشابه بينهم. ‎

قلب الست أمينة أتسع للجميع بما فيهم إبن زوجها، و لعدم تفرقتها فى حبها للجميع  كبر الاخوة و الاخوات كُعصْبَة واحدة ليعيشوا هُم وأبيهم تحت جناح قلبها الكبير،  هى لم تُرغم على هذا الحب و العطاء رغم القهر والمعاناة من  استبداد هذا الزوج و قسوته مع الجميع. و لكن انصافا للحق كان للسيد عبد الجواد مواقف تُحترم، متمثلة  ‎فى الإمساك بزمام العيلة وأن كان هذا الإمساك غارق فى قسوة تشوبها أنانية مُفرطة. هذا الرجُل بالرغم من نزواته و قسوته الظاهرية، الا ان مشهدى أنكساره على ابنه المنحرف مثله بغرام الراقصات وإستشهاد إبنه  اظهرا ما كان يخفيه فى قلبه تجاههم  وتجاه بيت لم يقصر ابدا فى مسؤلياته المادية،  عكس رجال كثيرين اليوم يجرون وراء نزواتهم  و يتعاملون مع مسؤلياته الاسرية بللامبالاة، وقد يكون البيت أخر أهتمامتهم إن لم يٓكُن عند معظمهم غير موجود بالحسبان اصلا.

فى ثلاثية نجيب محفوظ لم  تحمل الست أمينة هٓم مصروف بيت وألتزامات أُسرة أو الخروج لشراء متطلباتهم أو الجرى اللاهث وراء الأولاد ودروسهم وتدريباتهم وزيارات الأطباء  و ما إلى اخر ذلك من مسؤليات. كذلك تعايشت مع أستبداد زوجها حين أرتئت بطريقتها الخاصة أن لها دوراً أكبر ألا وهو الحفاظ على البيت والأولاد، و بالرغم من اعتراضنا جميعاً كنساء على هذا القهر الذى عانت منه مع هذا الرٓجُل الأنانى المُستبد، الا اننا لا يمكن تجاهل دورالست امينة فى تربية اولادها، هذا الدور الذى جعلها خلاقة بطريقتها الخاصة .

‎أٓمٓا الأستاذة أمينة فى رواية “انا حرة” ، فعلى الرغم من مفهومها الخاطئ فى البداية عن الحرية، إلا أنها حين طرق قلبها الحُب عرفت أن الحرية لها هدف فصحٓحت مسار الحياة بتحديد هذا الهدف ، و الذى لم تٓكُن بسببه الأستاذة رافضة للأسرة والأستقرار، ٓهى أحبت وتمنت أن تُحقق ذاتها أولاً وتصنع من نفسهٓا كائن مستقل له عالمه الخاص غير إتكالى على الرجُل ، ومن هنا سيتحقق لها الهدف الأعظم فى القدرة على تكوين الأُسرة الداعمة لمجتمع حُر.

الأستاذة أمينة كانت هى الأُخرى خٓلاقة بطريقة أكثر عُمقاً وأيجابية، ايمانا بحلمها بِخلق أجيال تُمثل كيان واحد من الرجال والنساء لا تقبل القسمة على أتنين ، وهذا كان سِر كثير من النجاح الذى رُبما صاحب بعض من سيدات ورجال أجيال الخمسينيات والستينيات للحفاظ على كيان الأسرة،  و كانت هذه سِمة وطبيعة معظم بيوتنا المصرية .

للأسف لم يدوم هذا الهدف،  سنجد أن ما حٓدث فيما بعد من تفكك كان عكس ما أرتئت الأستاذة أمينة التى كانت تريد مجتمع مُتكامل يتحمل فيه الرجال و النساء المسؤلية على السواء‎ . ‎فٓجرأٓة أمينة وثقتها بنفسها  فى رواية “انا حرة” كانت لأجل خلق مجتمع مستنير يصنع كيان واحد متوحد تحت راية العلم والمشاركة الأُسرية والحياتية الواجب. ‎ما كان أبداً لأجل التمرد من اجل الوصول الى الوضع الذى وصلت اليه المراة اليوم، متحملة المسؤلية بمفردها  على حساب أعصابها وصحتها وأنوثتها التى دُهست تحت أقدام المسئوليات المُتعددة.

و كانت نتيجة مايحٓدث اليوم بعد استفحال بطش سي السيد ، و بعدما رفع يده عن ممارسة  دوره كرب للعائلة ،سواء بالفرار لزوجة اخرى أو وجوده الغير مرئى،  ان اشهرت ‎:أمينة”  سيفها فى وجه هذا الرجُل ‎وطردته هى الأخرى من جنتها المزعومة، و قامت بخلعه ومرمطته وحرمانه من رؤية المساكين الذى كان حظهم  البائس أنهم نشاؤا فى مجتمع اختلطت فيه القيم و المبادئ و المسؤليات، ‎ليستمر مسلسل بحثنا وراء الأسباب التى دفعت لذلك.

واليوم نقف حيارى امام بيوت دخلت غرف العناية المركزة ‎وبيوت تحتضر ‎وأخرى شُيعت إلى مثواها الأخير، و فى ظل الغلاء الفاحش اصبح كل من الزوجين  ‎ يرمى بالمسئولية  على الأخر، بدلا من تحمل الطرفان الشراكة الكاملة ، من أجل هذا الكيان الذى أرتضوا به ‎أو وضعتهم الأقدار فيه ألا وهو الأسرة،  ‎  نحن نعيش فى زمن صعب  و يجب على الجميع اعادة ترتيب اوراقهم  والا النتيجة ستصبح اكثر كارثية مما نعيشه على مدار بعض السنوات الفائتة.