ممكن نتعرف؟ … أحبك بسرعة 4 جيجا كتبه محمد عبد الخالق

مع كل خطوة تخطوها الإنسانية على طريق المستقبل، يكون المأمول أن نحقق مكاسب عديدة في مجالات عديدة، لكن الأكيد أننا نفقد أيضا أشياء أخرى عظيمة، فهناك دائما وجهان لكل شيء، أبيض وأسود، وبينهما أعداد لا نهائية من الدرجات، حتى تلك الأشياء الجيدة المفيدة، لها أيضا وجه آخر قبيح، يراه وينجذب إليه مَنْ يشبهه.

ثورة وسائل التواصل الاجتماعي التي أفادت البشرية، ومثلت نقلة نوعية سواء على الصعيد العام؛ بما قدمته من وسائل حديثة سهلت وسرعت وصول وتتداول الأخبار والأحداث، أو على الصعيد الشخصي، عندما قربت بين الأفراد وسهلت تواصلهم مهما بعدت المسافات بينهم، هى الأخرى لم تسلم من أصحاب العقول والقلوب القبيحة، الذين بحثوا عن أسوأ ما يمكن أن يجدوه بها وأمسكوا به.

ومن بين أوجه سوء استخدام السوشيال ميديا العديدة، نتحدث اليوم عن هؤلاء الأشخاص الذين بحثوا في الواقع الافتراضي عن بديل لحياتهم الحقيقية، أولئك الذين حاولوا الهرب من بؤس حياتهم وضيقها وفقرها وحرمانها لفضاء لا محدود، فأصابوه بأمراضهم ونقلوا له ضيق عقولهم وفساد وتعفن نفوسهم.

“ممكن نتعرف؟” … بسؤال من كلمتين تبدأ القصة، أو تنتهي حسب رغبة الطرف الآخر، وهنا تبدأ الكذبة الكبرى التي كثيرا ما تتحول إلى الممر السري لتهدد حياة ومستقبل أفراد وأسر بأكملها، فجأة يجد (أو تجد) على شاشة الكمبيوتر من يسأل ويهتم ويطمئن ويتغزل ويعوض كل ما ينقصها أو ينقصه، فتبدأ علاقة تظل غير حقيقية، حتى لو انتقلت أحداثها إلى أرض الواقع، علاقة -حتى لو لم تتجاوز حدود الشاشات الزجاجية واقتصرت على الجانب الإلكتروني فقط- كثيرا ما سمعنا عن سقوط أطرافها في محاولات ابتزاز تهدد سمعتهم ووضعهم الاجتماعي والأسري.

علاقة تسببت في هدم أسر وتشريد أطفال وأحيانا جرائم قتل بسبب الانسياق وراء غريزة جائعة أو رغبة غير مشبعة، رغم أن لا العقل ولا المنطق ولا حتى الطبيعة الإنسانية يمكن أن يقبلوا بوجود مثل هذه العلاقات القائمة على الغموض والكذب وتلوين الواقع بألوان لا توجد سوى في أحلامنا.

الأمر ليس أكثر من الرغبة المتبادلة من طرفين في قضاء وقت ممتع، يعتبر البعض الإنترنت أفضل مكان لقضاء هذا الوقت، لما يوفره من سرية على طريقة نقضي وقتا ممتعا “ولا من شاف ولا من دري”، لدرجة أن الشريك الآخر نفسه ممكن جدا ألا يعرف من يحدثه أو شكله واسمه الحقيقي.

ورغم أن غالبية مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي يعرفون هذه الحقيقة، فإن الرغبة في الهروب تكون أحيانا أقوى من العقل والمنطق، زبائنها دائما أشخاص مستسلمون جاهزون ومستعدون للوقوع تحت تأثيرها برضاهم ورغبتهم، فقد كشف استفتاء أجراه أحد المواقع الإخبارية عن العلاقات العاطفية على الإنترنت، أن 82% من المشاركين أكدوا أن المغازلة عبر الإنترنت غشا وكذبا، الهدف منها إقامة علاقات غير شرعية.

فاحفظوا أخلاقكم ودينكم وشرفكم وأسركم، واغلقوا أبواب الشيطان، وركزوا مع استفادة حقيقية توفر وسائل التواصل الاجتماعي الملايين منها، بعيدا عن هذه الهوة السوداء.