هل وقفتي موقف ال (كش ملك) ؟ بقلم غادة حامد

بقلم : غادة حامد

تبدو لها الحياة لها تماما كلعبة الشطرنج. كل حركاتها فيها محسوبة ، كل حركة اما تقربها من الهدف أو تبعدها عنه أو تتسبب في القضاء عليها.

ترى الشوارع مزدحمة من النافذة, ترى البشر يملأون الأزقة , تتأملهم بحزن و هي تفكر:

 كل هؤلاء البشر يعيشون داخل مربعات ضيقة ، مساحات صغيرة يتشبثون بها لأن مغادرتهم لها  تتطلب الكثير من الحسابات و الخطط والتوقعات لهم و للمحيطين بهم ، تماما كما في رقعة الشطرنج

كل هؤلاء البشر قد يقضون حياتهم منذ الولادة حتى الممات ،اما في مربع أسود حزين يحبسون انفسهم في داخله ، يعيشون في ظلامه ، أو داخل مربع أبيض يعيشون فيه كل البهجة و السعادة فلا يرون الام الاخرين و لا يشعرون بها!

كل هؤلاء البشر يرون رقعة الشطرنج ، من مربعاتهم فقط، من زاوية واحدة فقط الزاوية التي فرصتها عليهم قواعد اللعبة ، و قد لا تتيح لهم الحياة ان يتعرفوا علي باقي الرقعة أو زواياها

فقد استيقظت اليوم على حركة تشبه حركة الموت في الشطرنج ،حركة  تضعها في موقف تواجه فيه حركة ال (كش ملك)  ! فلا يصبح أمامها الا اختيار بين اثنين؛ يا قاتل يا مقتول.

أكرمها الله أن تنتبه لهذه الحركة و هي علي بعد خطوة واحدة من ال(كش ملك) التي تستيقظ الكثيرات عليها  بعد غفلة طويلة من الزمن!

حركة ال(كش ملك) تلك التي أدت الي هدم بيوت صديقات عدة لها….انها تلك الحركة المباغتة التي أخرجتهن من بيوتهن و من رقعة الشطرنج مصحوبات بألم الهزيمة والفشل ، يفوقه ألم المفاجأة.

ما يحدث معها الان يشبه تماما ما حدث مع كثيرات غيرها ، غفت في بيتها ، غطت في نوم عميق علي كتف زوجها بعد أن استشعرت الأمن و الأمان معه ، لطول العشرة و تشابك خيوط الحياة بينهم ، لتصحو بين ليلة وضحاها علي صوت مخيف، يشبه صوت الوزير في رقعة الشطرنج أو صوت عزرائيل قابض الأرواح…  صوت يقطع صمت الحياة و بهجتها  معلنا نهاية الحياة بكلمتين فقط تشبهان تماما كلمتي الشطرنج ( كش ملك) .. تصحو لتفاجأ بزوجها و هو يهمس في أذنيها ليقول لها ( ربما تنتهي الحياة بيننا) !

مهما كانت الأسباب التي يقولها ، و التي لم تسمع منها حرفا ، فقد فزعت  من سباتها فاغرة فاها و كأنها تحلم  ! تتعجب و تتساءل ؛ لماذا ؟ ماذا حدث؟ لماذا؟ لقد قبعت في مربعي معك، سكنت إليك و امنتك نفسي !

فيبدأ الزوج في سرد أسباب عدة؛ حقيقية كانت أو واهية، لا يهم !

 يسرد حججا تقع وقع الخناجر في قلبها , يهاجم تارة و يتلوي من ظلمها تارة أخرى! و يضعها اما أمام خيار القبول و البقاء على الرقعة كأي عسكري مهمش لا قيمة له, أو النزول عن سطح مملكته, مغادرة رقعة الشطرنج!

عندها تدرك أنها كانت تلعب اللعبة خطأ، و أن الدور قد انتهي و عليها مغادرة رقعة الشطرنج , أقصد عش الزوجية …عندها تدرك أنها أخطأت عندما صدقت من قال لها كوني نفسك حتى يحبك شريك حياتك، و لا تتصنعي !

يكذب من يقول أنك يجب أن تحيا علي طبيعتك! فأنت لست وحدك في هذه الحياة، أنت محاط بعساكر و ملك ووزير و خيول و غيرهم ممن يتحركون تحركات محسوبة.

 كل حركة تخطوها تترك انطباعا عند الاخرين , يؤثر في مصيرهم؛  في أن  يغادروا من مربعهم الأبيض  حيث يقبعون الي مربع أسود جديد!  و قد تخطو خطوة تتسبب في أن يغادر غيرك لوحة الشطرنج كلها!

تدرك  الان أنها كان يجب أن تتصنع كثيرا ، تفكر و تدبر كثيرا، كان يجب أن تعرف أنها على رقعة الشطرنج  , و أن لا أحدا يبقي على سطح الرقعة بتلقائيته، لا أحد يكسب الا بعد أن يحسب حساب كل خطوة و كل حركة يخطوها في تلك العلاقة المتشابكة, و المربعات المتشابهة.

فنحن بشر ؛ نكون صورا ذهنية عن شركائنا من تصرفاتهم و حركاتهم و أفعالهم ! و تؤثر هذه الصورة علي أفكارنا تجاههم و مشاعرنا نحوهم.

 كان  يجب ان تحرص علي أن تصنع صورة مرسومة بحنكة , حتي لا تقف موقف ال(كش ملك)

طالما  صدقت  أن شريك  حياتها يحبها بعيوبها بل و يحب عيوبها!  لكن لا ! انه كلام الأفلام و القصص الرومانسية ! فالرجال من كوكب الزهرة والنساء من المريخ ، يتكاملان لكن ، بعد  فهم أصول اللعبة ، حتي يتمكنا من العيش سويا  والبقاء معا  على رقعة شطرنج واحدة .

تدرك أنها ستصبح اقوي، ستتعلم من قسوة التجربة و ستقويها الأيام ، لكنها لم تتمني يوما أن تتجرع كأس الألم ، لم تتمنى أن تعرف طعم الفشل .

مسحت أنهار الألم  التي تحفر مجراها  علي وجنتيها  و وضعت قالبا  من  الجبس بدلا منه علي وجهها  ، قناعا أصفرا ذو ابتسامة عريضة  لتنظر اليه في المرآة كل يوم ، قالبا ذهبيا قد تلمع معه عينيها ووجنتيها و تبدو ذات اطلالة أنيقة مرسومة بدقة ،  ربما تنجح أن تخفي ملامح الهزيمة تحته او تمحوها او تنساها ، ربما تنجح أن تصدق  انها اقوى و أسعد حالا سواء غادرت رقعة الشطرنج أو بقت, فقد نال منها الجرح و نزف قلبها الدم , و سال من عينيها… ة تبقي رقعة الشطرنج مجرد مكانا تم هزيمتها فيه بكلمتي (كش ملك)!