- Advertisement -

يوميات بنت عايشة لوحدها”زيارة للطبيب” تكتبها أماني زيان

لم تكن والدتها، كما سبق وعلمنا، صاحبة اللسان المعسول، أو ممن تظهر الحنية بداعي أو بدون، لكنها تعبر عن حبها وحنيتها بالأفعال وبنظرة عينيها المعبرة، كانت طوال حياتها تتمنى لو كانت أمها مثل نظيراتها من الأمهات اللاتي يعبرن عن حبهن لبناتهن بالأحضان والكلام الرقيق الحنون، لكنها في وحدتها عرفت أن الحب والحنان  ليس كل ما تمنته يوما، إنه كل التفاصيل التي كانت تقوم بها والدتها، عندم كانت تمرض وتقول لوالدتها ذلك كانت تحدد فورا موعدا مع الطبيب وتذهب معها، لأنها كانت تعلم أنها لا تشكو إلا إذا كانت حقا تعاني حقا.

تشعر بألم ما، تقرر الذهاب للطبيب بنفسها، تذهب بمفردها، في البداية كانت تشعر بالخجل، ماذا ستفعل، من سيدخل معها، كيف ستكشف ملابسها أمام الطبيب دون وجود أمها واقفة بجوارها تطمئنها بنظرة عينيها.

بعد سنوات طويلة، أصبح الموضوع عادي جدا، لدرجة انزعاجها من أي شخص يصر على الذهاب معها! وكأنها نسيت أن هذا هو الطبيعي، بل الأكثر من ذلك، أصبحت لا تشعر بأي تعاطف مع أي شخص يقول إنه ذاهب للطبيب بمفرده، ولا ترى أن في ذلك ما يسوء، وإذا شكى أمامها أحد من صديق أو أخ بأنه مقصر لأنه لم يذهب معه للطبيب، كانت تشعر بإحساس يصل للاشمئزاز!

وصل بها الحال أنها إذا شكى لها أي إنسان من ألم أو مرض، لا تعي ما السبيل من الشكوى وترد ببساطة “روح للدكتور”.

ثم اكتشفت أن البشر الطبيعيون يريدون سماع كلمة طيبة، نظرة قلق، أو ربما فتوى بدواء تم تجربته من قبل، فأصبحت تفعل ذلك إرضاء لمن حولها.

وبعد فترة عندما وجدت أن كتمانها آلامها يجعل الناس معتقدين أنها لا تشكو من شيء، وأنها في أكمل حال، وينتظرون منها الكثير ويعتبرونها مقصرة و”ندلة”، فأصبحت تعلن مثلهم عما تشكو منه، حتى يتفهموا تقصيرها.

فهي وحيدة، لذا فهي بالنسبة لمن حولها، الأكثر حظا، والأكثر فراغا، والأكثر سعادة، والأكثر “روقانا”!!

فأصبحت عندما يقول لها أحد: “يا بختك، رايقة وماوركيش حاجة”، كانت في البداية تصمت مبتسمة، لكنها بعد ذلك أصبحت ترد: “إلهي يا رب يروق بالكم زي بالي بالضبط”!

بالتدريج أصبحت تحكي بعضا مما تعانيه ربما يفهم البعض أن كلنا متساوون، فالله عادل، كل منا يملك مميزات وعيوب بحياته، لا يوجد شخص تعيس مائة بالمائة ولا شخص سعيد مائة بالمائة، لكن علينا الاختيار بأي جزء سنظهر أمام الناس، الجزء التعيس، ربما لاستجداء التعاطف والشفقة، وربما لمنع الحسد والعين، أو أنها طبيعتنا الكئيبة بفطرتها، لنوزع طاقتنا السلبية على كل من حولنا!! أو نظهر بالجزء السعيد، الشاكر، مبتسمين رغم كل شيء، وننشر طاقة إيجابية ربما تعود علينا يوما بالخير، المسألة مجرد اختيار .

كمن يختار أن ينظر لنصف الكوب المليان أو الفارغ، نفس النظرية، في بداية حياتها وحتى مرور أكثر من عشرين سنة على حياتها كانت دائما تختار الجزء السعيد، الى أن وجدت أن حتى أقرب أصدقائها يحسدونها رغم معرفتهم بنظام حياتها، ويستكثرون حتى ابتسامتها عليها! فقررت … أو شاءت الظروف التي جعلتهم يعرفون تفاصيل عن الجزء التعيس، ففتحت الباب ليدخلوا إليه ويروا ما كانت تخفيه.

لكنها وجدت أن البشر مبدعون في الحكم على الآخرين، فقط، دون النظر في البداية لأنفسهم، فصديقة تقول لها: “انت أصلا شخصية اكتئابية بس بتظهري طول الوقت العكس ودة مش صح!!!”، هذه الشخصية التي تتحدث لا تنظر لنفسها من الداخل ولا الخارج للحظات بتمعن!

وأخرى تقول لها: “بصي لازم تروحي لدكتور نفسي، لأن وضعك بقى صعب، على طول عصبية ومكتئبة”.  تبتسم وتصمت فهذه الصديقة تقريبا يلقبونها بـ”السيكو” من تصرفاتها، لكن هي كانت تخلق لها الأعذار دائما.

اكتشفت في النهاية أن لا يوجد من يستحق أن تضغط على نفسها من أجله، وعلمت علم اليقين أنه “يا عزيزي كلنا مرضى نفسيون”!!